يبدو أن عصراً جديداً أخذ يبزغ على الإنسانية شعاره «المساواة بين الجنسين» في أكثر مواضع المساواة صعوبة ألا وهو امتلاك الجاه أو السلطة. فالأخبار حملت إلينا مؤخراً وصول ثلاث نساء إلى سدة الحكم بالاقتراع الشعبي العام.

وقد نافسن رجالاً شديدي البأس والمراس. وتتباين خلفية النسوة الثلاث وتوجهاتهن السياسية فضلاً عن ماضيهن أشد التباين. واحدة تربت في حضن الاشتراكية لكنها انفصلت عن ذلك النظام بالخُلع.

والثانية ناضلت طوال عمرها لإعلاء كلمة الاشتراكية. أما الأخرى فحسبها لم شتات قومها بعد أن مزقتهم سني الحرب الأهلية الطويلة. بيد أن خيط الوصل بينهن جميعاً هو قوة الشكيمة وصلابة الإرادة. وهن فوق هذا وذاك، ينتمين إلى ثلاث دول تقع كل واحدة منها في قارة بعينها، وتلك الدول تتبع عوالم ثلاثة: الأول والثاني والثالث.

فألمانيا شهدت وصول أول مستشارة ـ وهو أعلى منصب في تلك الدولة ـ بعد أن ارتضى شعبها أن يضع ثقته بالدكتورة أنجيلا ميركِل في سبتمبر الماضي. وأنجيلا قد عاشت تجربة الاشتراكية طولاً بعرض في الشطر الشرقي من ألمانيا. وهي بالتأكيد قد تجرعت مرارة التجزئة وذاقت حلاوة الوحدة.

فبعد أن ولدت بأشهر في العام 1954 في مدينة هامبورغ عين والدها بمنصب ديني بكنيسة لوثرية بإحدى القرى في ألمانيا الشرقية، فعاشت صباها في الريف وعرفت عن كثب تجربة المزارع الجماعية والملكيات الزراعية الصغيرة.

ومنذ صغرها كانت ناشطة فانخرطت في منظمة «شباب ستالين» فبزت رفاقها. والتحقت بجامعة برلين لتحصل منها في نهاية المطاف على دكتوراه بالفيزياء في العام 1978 لكنها عينت كباحثة كيميائية بمعهد علمي في برلين الشرقية.

شاركت في العام 1989 بالحركة الداعية إلى الديمقراطية بعد انهيار جدار برلين وانضمت إلى الحزب الديمقراطي المسيحي قبل شهرين من الوحدة الألمانية في العام 1990 لتتولى في غضون ثلاثة أشهر فقط منصب وزيرة الشباب والمرأة في وزارة المستشار هلموت كول. ثم ارتقت بسرعة لتتولى زعامة الحزب الديمقراطي المسيحي في العام 2000.

وفي نوفمبر الماضي وضع الشعب الليبيري، وهي جمهورية صغيرة في غرب افريقيا لا يتجاوز عدد سكانها الثلاثة ملايين، وضع هؤلاء ثقتهم بالأرملة إلين جونسون سيرليف، البالغة من العمر 67 عاماً.

وتاريخ ليبيريا غريب، إذ أنشأها العبيد المحررون في أميركا، الذين عادوا إلى مواطنهم الأصلية في العام 1820 وأصبحت جمهورية مستقلة تحت حكم هؤلاء بعدئذ في العام 1847.

وعلى مدار الخمس عشرة سنة الماضية، عانت ليبيريا من الحرب الأهلية، وكان آخر رئيس لها هو شارلز تايلور الذي هرب من البلاد في العام 2003 والذي يمتلك ثلاثة مليارات من الدولارات في البنوك السويسرية والأميركية كما تشير «الكرستيان سينس مونيتور»(17/1).

وسيرليف، التي نجت من موت محقق حينما أعدم رفاقها الخمسة عشر في العام 1985 مناضلة قديمة وقفت في وجه الدكتاتور سامويل دو وقادت المطالبة بحكم ديمقراطي.

وهي خريجة جامعة هارفارد الشهيرة وخبيرة اقتصادية عملت طويلاً في البنك الدولي. وقد نافسها في الانتخابات الأخيرة لاعب كرة مشهور اسمه جورج ويا، لكنها استطاعت أن تحصد أصوات أكثر من 59 بالمئة وتفوز برئاسة ليبيريا لتصبح أول امرأة تحكم بلداً افريقياً.

ورئيسة شيلي الجديدة ميشيل باتشيليت (53 عاماً) هي أيضاً مناضلة ذاقت قسوة السجن، بل إنها فقدت أباها الذي قتل غيلة في غياهب السجن، وقد كان جنرالاً في سلاح الجو في عهد الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي الذي أطيح به بانقلاب دموي قاده أغستينو بينوشيه في العام 1973 بدعم من المخابرات المركزية الأميركية.

وبعد أن خرجت هي وأمها من السجن، عاشتا في المنفى في أستراليا وأوروبا لتعودا في العام 1979 إلى شيلي، حيث عملت طبيبة أطفال. وقد عينها الرئيس الاشتراكي السابق وزيرة للصحة في العام 2000 ثم وزيرة للدفاع بعد سنتين.

والرئيسة الجديدة هي مرشحة يسار الوسط، وقد فازت بنسبة 53 بالمئة من الأصوات على منافسها البليونير سباستيان بنيرا. وميشيل باتشيليت هي أول امرأة تفوز بانتخابات حرة في أميركا اللاتينية ولا تكون أرملة لرئيس قوي، كما تقول «النيويورك تايمز» (19/1)، فقد سبقتها أرامل ثلاث لرؤساء بارزين في نيكاراغوا وبنما وغويانا.

وأيضاً اللواتي جئن دون انتخاب كإيزابيلا بيرون في الأرجنتين، حيث ورثت الحكم حينما توفي زوجها، وليديا غولير في بوليفيا التي جاءت للسلطة بانقلاب عسكري «النيويورك تايمز» (16/1).

ومع نجاح باتشيليت في شيلي يتقوى حكم اليسار في أميركا اللاتينية، الذي يبسط نفوذه الآن على المسرح السياسي في بوليفيا وفنزويلا، كما تلاحظ «الوشنطن بوست» (15/1).

وهذا عكس التيار العالمي ذي التوجه الليبرالي. وباتشيليت التي تكبت أحزانها لم تأت لتثأر لاغتيال أبيها، إذ قالت إنها كانت «ضحية للبغض، لهذا فقد كرست حياتي لتحويل البغض إلى تفاهم وتسامح وحب».

أخيراً، لا شك أن تلك النجاحات للمرأة لن تقتصر على تلك الحالات بذاتها، بل ستجدها المرأة في كل مكان نموذجاً ومثالاً للاحتذاء، وأملنا في أن تكون انجازات النسوة الثلاث نبراساً للمرأة العربية ودافعاً لها كي تأخذ حظها في الحياة العامة بكل مجالاتها.

alyusefi@hotmail.com

كاتب كويتي