مضت الانتخابات الفلسطينية على خير ما يرام. في الواقع، سجلت خطوة نوعية فارقة. عملية الاقتراع جرت بانتظام من دون تعكير للأمن، المنافسة كانت حادة. الاقبال على الصناديق كان عالياً. أمور كثيرة مهمة كانت غير مسبوقة: المشاركة هذه المرة كانت شاملة باستثناء فصيل واحد، نظام الاقتراع مختلف عن الماضي.

الوضع أيضاً مختلف ـ غزة من دون احتلال ـ، وأيضاً عدد النواب جديد، والأهم ربما ان مظاهر السلاح اختفت من الساحة التي خلت للناخبين ولم ينغص عليها سوى مضايقات الاحتلال ومحاولاته لعرقلة العملية.

خاصة في القدس الشرقية، كما أنه من المتوقع ولأول مرة، أن تتمخض هذه الانتخابات عن توازنات جديدة غير مألوفة. وبذلك تكون فعلاً الأولى من نوعها، على كل صعيد، بمعنى أنها تجربة جديدة بكل المعايير.

اذا كانت الانتخابات كذلك فهل تقوى ان تتحول إلى بداية جديدة، لجهة اخراج الواقع الفلسطيني من اشكالاته العديدة ـ والتي كاد بعضها ان يتجاوز خطوطاً من المفترض ان تكون حمراء ومحظورة ـ ليبدأ مسيرة بناء وحدته الوطنية، القادرة وحدها على تمكينه من انتزاع حقوقه وبناء دولته المستقلة؟

قبل عشر سنوات، جرت أول انتخابات، على أساس أوسلو. كانت المقاطعة لها واسعة. كما كانت تجربة غير معهودة، فوق ساحة بالكاد بدأت تتلمس طريقها، يومذاك كانت المنافسة محدودة. بل تقريباً غير قائمة. وعدد المقاعد كان 88 فقط وبالاقتراع المباشر. كما كان الاقبال ضعيفاً. وطبعاً كانت المناخات مختلفة وحالة الفرز ضعيفة وبالكاد ملحوظة.

اليوم الحال تغيرت. وصلت الى ما هي عليه بعد تجارب مكلفة، أدت الى انقسامات وخلل في المعادلات، مع كل ما رافق ذلك من توتر واحتكاكات ونمو ظاهرة السلاح. واكب ذلك تبلور خطين ومشروعين:

الأول يحمل شعار الحل التفاوضي والآخر الحل المقاوم. وكادت ان تأخذ الأمور منحى الطلاق بين الاثنين. الانتخابات عادت لتجمع الأطراف تحت مظلتها. ومعها تحولت الخلافات الى منافسة، في إطار اللعبة الديمقراطية البرلمانية.

ويفترض ان الجميع ارتضى بالاحتكام الى الشعب الفلسطيني وإلى قوانين جديدة، في إدارة الصراع مع الاحتلال، تعطي لكل ظرف ما يتطلبه من وسائل المواجهة ولغاية الخلاص من الكابوس الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني منذ 38 سنة. وفي ذلك استدراك، إن لم يكن صحوة.

اذا ليس لشيء، فعلى الأقل لأنه ينتشل الوضع الفلسطيني من حالة الشرذمة ويضعه في بوتقة توحيد الجهود في الاتجاه الذي تفرضه لحظة التعامل مع المحتل الإسرائيلي.

هذا ما يفترض ان تؤدي إليه الانتخابات وإلا لا معنى لإجرائها، ذلك أنه اذا كان لها من فضيلة فهي أنها تحول الصراع من الشارع إلى تحت قبة المجلس النيابي وتلزم الجميع بالقرار الأكثري، بعد الجدل والتداول والنقاش، فلتكن انتخابات أمس البوابة المؤدية إلى هذه المعادلة لتستقيم الأمور خدمة لاستعادة الحقوق الفلسطينية.