المتأمل في آخر إحصائية عن الفعاليات القتالية في العراق خلال السنة الماضية، لا يعوزه ذكاء كبير كي يصل إلى نتيجة تقوده إلى التأكد من فشل المشروع الأمريكي البريطاني في العراق، وسيجد المرء صعوبة في تذكر الشعار الأول الذي رفعته قوات الاحتلال حين غزت العراق لـ ''تحريره وبنائه'' لا تدميره وتخريبه!

الاحصائية التي اشتمل عليها تقرير حديث للجيش الأمريكي تقول ان المقاومة العراقية والجماعات المسلحة نفذت أكثر من 34 ألف هجوم في عام 2005 على قوات الاحتلال الأمريكية والقوات الأجنبية الأخرى وقوات الأمن العراقية أسفرت أيضا عن سقوط مدنين، وذلك بزيادة بلغت نحو 30% عن عام ،2004 ومع هذا الرقم المهول، يقلل مسؤولون أمريكيون من فاعلية هذه الهجمات في ظل ما رأوه نجاحا في العملية السياسية، الأمر الذي اعتبره محلل أمريكي زعما يصعب قبوله مع الارتفاع الكبير في عدد الضحايا.

الجانب الاكثر إثارة في تلك الاحصائية هو عدد القتلى، حيث قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون): إن ألفين و237 عسكريا أمريكيا قتلوا في الحرب التي بدأت في آذار عام ،2003 من بينهم 1751 سقطوا في القتال، فيما قتل الآخرون في ظروف غير قتالية كحوادث الطرق والمرض والانتحار (!) فيما أصيب بجروح مختلفة 16 ألفا و472 آخرين خلال عمليات قتالية، أما عام 2005 فقد بلغ عدد القتلى في صفوف الجيش الأمريكي 846 حالة، وهو رقم مماثل تقريبا لنظيره في عام 2004 الذي بلغ 848 حالة، بينما كان عدد الذين سقطوا جرحى في عمليات قتال في العام الماضي، والذي بلغ 5 آلاف و939 جريحا، أقل من نظيره في عام 2004 الذي بلغ 7 آلاف و989 جريحا.

اللافت هنا أن الاحصائيات الأمريكية تخلو من ذكر أعداد الضحايا العراقيين، فيما تهتم بهذا ''مجموعة إحصاء جثث العراق''، وهي جماعة أمريكية بريطانية غير حكومية، حيث أظهر مسح سابق لعدد الضحايا من المدنيين العراقيين أن قوات الاحتلال والمسلحين الآخرين قتلت 24 ألفًا و865 من المدنيين وعناصر الشرطة والمتقدمين للالتحاق بالشرطة والجيش منذ غزو العراق وحتى 19 آذار ،2005 ويظهر المسح أن ثلث عدد الوفيات من المدنيين تقريبًا وقع خلال الغزو نفسه في الفترة من 20 مارس آذار إلى أول أيار 2003.

وفي العام الأول، بعد الإعلان الأمريكي عن انتهاء الغزو، لقي نحو 6 آلاف مدني حتفهم، وهو الرقم الذي تضاعف تقريبًا في العام الثاني، أكثر من ذلك وجدت الدراسة المسحية أن القوات التي تقودها الولايات المتحدة هي المسؤولة الأولى عن هذه الوفيات، بينما كانت المفاجأة أن المسلحين مسؤولون عن نسبة صغيرة هي 5,9% فقط!! هذه هي حصيلة مشروع ''تحرير العراق'' ومع هذا تجد قائدا عسكريا أمريكيا كالميجر ''تيم كيفي'' من سلاح مشاة البحرية، وأحد المتحدثين باسم الجيش الأمريكي في بغداد يقول ''إننا نحقق نجاحا.. والعراقيون يحققون نجاحا أيضا''!!

فيما يرد على هذه الترهات محلل دفاعي أمريكي هو ''دانييل جور'' من معهد لكسينجتون، وهو مؤسسة بحثية قائلا: ''من الصعب أن نأخذ هذا الزعم على عواهنه، ونقول إننا نحقق نجاحا في الوقت الذي تزداد فيه الهجمات بنسبة 30%''، مضيفا ''إذا وضعنا في الاعتبار أن إجمالي عدد الهجمات يتزايد، وأن عدد القتلى والجرحى من العراقيين يتصاعد.. فمن الصعب حقا القول بأننا لمحنا الضوء في نهاية هذا النفق''!! إن هذه الأرقام تثبت بما لا يدع مجالا لأي شك أن ثمن المغامرة الأمريكية في العراق كان باهظا إلى حد أنه قمين بشطب أي منجزات على الأرض، والمؤلم في الأمر أننا لا نكاد نرى أي ضوء في نهاية النفق المظلم كما عبر المحلل الأمريكي من معهد لكسينجتون!