لعل في انشداد الأنظار العربية والدولية، وتحول سوريا إلى بؤرة للتركيز والانتباه ما يزكي الدور الإقليمي الحساس الذي تلعبه دمشق في إطار الصراع الدائر في المنطقة بين المشروع الوطني الديمقراطي التحرري العربي والمشروع الصهيوني، فقد لجمت الانتفاضة الفلسطينية الباسلة المشروع الصهيوني عند تخومه الحالية، وتواصل سوريا دورها الرائد والمساند في تشكيل نواة ولب حالة الممانعة في المنطقة.

وعليه، فان توفير وتثمير العلاقة المتداخلة بين الثابت الوطني/ القومي، والسياسي المتحول في الموقف السوري يستدعي من القيادة السورية الشابة جملة من الإجراءات الداخلية التي لابد منها أمام تدفق الضغط الخارجي الكبير والظالم، عدا كونها حاجة سورية صرفة.ومن هذا المنطلق، نستطيع تفسير الخطوة الأخيرة في دمشق بإطلاق سراح النائبين السابقين رياض سيف.

ومأمون الحمصي، مترافقة مع الوعود الجدية والخطوات الملموسة المنطلقة، والتي تبشر الشعب السوري بفتح بيكار دائرة التطهير ومكافحة الفساد على أوسع قوس ممكن، وذلك في سياق السياسات الإصلاحية، وإعادة تحديث القوانين.

وتطوير الحياة السياسية الداخلية الجارية في سوريا، بما في ذلك تطوير ائتلاف الجبهة الوطنية/ صيغة وبرنامج وصلاحيات ودور/ وتوسيع صفها بعد انضمام الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى عضويتها.

فبغض النظر عن الأسباب التي حدت لوصول البعض ممن اصطلح على تسميتهم بأبناء ربيع دمشق إلى سجن عدرا المركزي الواقع على التخوم الشمالية الشرقية للشام، فإن إطلاق سراح النائبين السوريين السابقين رياض سيف ومأمون الحمصي.

وكل من وليد البني، فواز تللو، والمحامي حبيب عيسى، خطوة ثقة سورية بالاتجاه الصحيح، يفترض بها أن تستكمل نفسها بإنهاء ملف ما تبقى من المعتقلين السياسيين، الذي طالما تحول إلى شماعة تعلق عليها جزءاً من التداعيات الراهنة الحاصلة في إطار ما يجري حول وداخل سوريا وعلى دائرة قوس الصراع الإقليمي.

ومع أن إطلاق سراح الآخرين لم يكن بالمفاجأة بعد أن تواترت المعلومات بهذا الشأن قبل فترة في دمشق، إلا أن التوقيت كان ملفتاً للانتباه من حيث سعي القيادة السورية لتوفير عنصر الراحة في الوضع الداخلي في سياق سياسات الإصلاح الداخلي النابعة من الإرادة السورية نقيضاً للإصلاح المستورد. .

ومن حيث الحساسية المرهفة التي تضبط إيقاع دقات الساعة السياسية السورية مع الجهود الحثيثة للمملكة العربية السعودية ومصر العربية في العمل المشترك مع القيادة السورية لمعالجة الملف المتعلق بتداعيات العلاقات السورية مع بعض أطراف المعادلة اللبنانية، والتعاون السوري مع لجنة التحقيق الدولية بشأن الملف المتعلق باغتيال الشهيد رفيق الحريري.

إن إطلاق النائبين السابقين رياض سيف ومأمون الحمصي والآخرين، خطوة ايجابية، يفترض بها أن تتلوها خطوات في سياق إعادة ترتيب الوضع الداخلي السوري ومعالجة الملفات المطروحة، بعد أن أضحت سوريا في اللحظة الراهنة أمام نقطة انعطاف مفصلية لتمتين الجبهة الداخلية.

وأولى الخطوات الضرورية، طي ملف ما تبقى من المعتقلين السياسيين بشكل نهائي بالتوازي مع إقرار قانون الأحزاب المنتظر الذي أشبع نقاشاً في المداولات الجارية بين أطراف الائتلاف الجبهوي الحاكم والمؤلف من ثمانية أحزاب، فضلاً عن مشاركة بعض أطراف المعارضة الديمقراطية والقومية بشكل مباشر.

أو غير مباشر.مع تطوير أساليب وأدوات الخطاب الإعلامي، وتوسيع فسحة الرأي الآخر وفق التعاقد الوطني المجتمعي، بعيداً عن صراخ المتشنجين والمتأففين من المتضررين على الضفتين.

وفي هذا السياق فإن المعلومات المتوفرة تشير إلى سعي دمشق لإطلاق فضائية جديدة منفتحة وبثوب ديمقراطي قريب جداً من الليبرالية في سعي القيادة السورية لتقديم الخطاب السياسي السوري والموقف العام بطريقة ايجابية بعيداً عن القوالب الجامدة.

وغني عن القول، بأن توفير عنصر الراحة في الوضع الداخلي يتطلب أيضاً، التوجه الايجابي في التعاطي مع باقي قوى وموزاييك المجتمع السوري الوطنية المتنوعة بطيفها الأيديولوجي والسياسي، والتي لم تتلوث أياديها بالدماء.

والتخريب الداخلي.فضلاً عن مراجعة تجربة الأعوام الأخيرة من زاويتي الأداء الداخلي والخارجي «بايجابياتها وسلبياتها» بروح نقدية جادة، واتخاذ الخطوات الملموسة في هذا الإطار من حيث المحاسبة والتدقيق والبناء الايجابي على الاستخلاصات الناتجة.

وفي هذا السياق لابد من التطرق إلى ضرورة تحقيق المزيد من الانفتاح الداخلي، ودفع سبل ومسارات الحراكات الداخلية في المجتمع السوري، بما في ذلك إشراك المجتمع ومؤسساته في محاربة ظواهر التسيب والفلتان والبيروقراطية الضارة غير المنتجة، بشكل واضح وشفاف، الأمر الذي يستدعي دك معاقل ومفاصل الفساد، ورد الاعتبار لشرعية القانون والمؤسسات.

وتطهيرها من الفاسدين الذين لا ضمير لهم. فإصلاح الوضع الداخلي، عنصر مهم في تعزيز عوامل الصمود والثبات أمام الضغط الخارجي الظالم المسلط على سورية منذ ما قبل وبعد احتلال العراق.

ومع أن الفساد ظاهرة عالمية بالإجمال، وحالة مستنسخة عالمثالثية على وجه الخصوص، ولم تنج منه أي من المكونات البشرية في اطار الدولة الحديثة والمعاصرة، الا أن مكافحة الفساد الاحتيالي القائم على « البلف واللف والدوران» المقنع والمغطى بورق السليفان.

والاحتيال على القانون، مسألة على غاية الأهمية من أجل رد الحقوق العامة والشخصية حال استلابها أو التعدي عليها من قبل أحد، واحترام القانون باحترام الكفاءة وتكافؤ الفرص والمهنية.

وفي إدخال القطاعات المجتمعية الشعبية في الحياة السياسية والمؤسساتية بديلاً عن نمو واستشراء الحالات المترهلة والمتكلسة، وفتح الطرق أمام الدماء الشابة الواعدة في البناء والالتزام. فالمجتمع العربي السوري مجتمع فتي بنسبة تفوق الـ 60% من إجمالي عدد السكان، ويزخر بالطاقات والإمكانات والكفاءات البشرية الخيرة، فضلاً عن الخيرات المادية.

أخيراً، إن مكافحة الفساد، ودك معاقله ومفاصله، خطوة جبارة تنتظر القيادة الشابة في سوريا، على طريق تطوير الوضع الداخلي وحماية البلد، وتحقيق المزيد من الشفافية الايجابية، حتى لا يجد الشعب السوري نفسه أمام مفاجآت غير محسوبة، أبطالها فاسدون قدامى/ جدد.

كاتب فلسطيني ـ دمشق