انعقد بالخرطوم في يومي 23 و24 يناير الجاري مؤتمر قمة الاتحاد الإفريقي السادسة بعد غيبة طويلة، فقد انعقد في السودان أول وآخر مؤتمر قمة الخامس عشر لمنظمة الوحدة الإفريقية آنذاك في عام 1978م.

واعتبر من المؤتمرات الناجحة بحكم الإعداد والحضور والقضايا التي طرحت فيه. ولكن مؤتمرات منظمة الوحدة الإفريقية في عمومها لم تكن فاعلة لأن قراراتها لم تكن تجد الالتزام والتنفيذ.

وربما كان هذا هو ما حدا ببعض الرؤساء أن يدعو إلى تغيير الاسم إلى «الاتحاد الإفريقي» مع تغيير في النظام الأساسي وهيكلة الأمانة العامة، ويطرح في القمة الحالية اسم جديد هو «الولايات الإفريقية المتحدة» من ذات الدولة التي سبق ان تبنت الدعوة إلى تغيير اسم منظمة الوحدة الإفريقية.

وليس العبرة بتغيير الأسماء والمصطلحات بل بتغيير منهج العمل، وبالجدية في التعامل مع القرارات وفاعلية الأجهزة، وتوفير الإمكانات اللازمة لتسيير أعمال الاتحاد، وإظهار الاستقلالية الكافية من الدول الكبرى لمصلحة القارة الإفريقية ونموها واستقرارها.

ويبدو أن قمة الاتحاد السادسة في الخرطوم ستكون أيضا ناجحة بمقياس الإعداد والحضور لأن الدولة بذلت جهدا ضخما في إعداد قاعة الاجتماعات الرئاسية وصالات الاستقبال بالمطار والفلل الرئاسية التي ينزل فيها رؤساء الدول والمركز الإعلامي بقاعة الصداقة.

وتهيئة شارع النيل، وتدريب المرافقين والعاملين والمترجمين. ومن المتوقع أن يحضر 35 رئيسا إفريقيا وتشارك 53 دولة في القمة، وهذه نسبة عالية في الحضور لم تحدث في القمم السابقة.

ولكن السودان قد يؤتى في هذا المؤتمر ليس من قبل إعداده المادي أو حسن استقباله واستضافته للوفود ولكن من قبل التأثير على القرارات التي ستتخذ وتهم السودان، حتى الآن لا يبدو أن السودان بذل جهدا كبيرا في كسب القرارات السياسية المتوقعة لمصلحته.

الموضوع العام لهذه القمة هو قضية التعليم والتقانة والعلوم التي اقترحت لها منظمة افريقية متخصصة، ولن تكون القرارات حولها مثار جدل كبير عدا اختيار البلد الذي يستضيفها والمدير التنفيذي لها ثم كيفية تمويلها من الدول الأعضاء.

أما القضايا التي تهم السودان فهي انتخاب رئيس الاتحاد الإفريقي للدورة المقبلة والذي سيؤثر بدوره على انتخاب رئيس المجلس التنفيذي الذي عادة ما يكون وزير خارجية البلد التي تتولى رئاسة الاتحاد، النزاع الداخلي في دارفور وما يتفرع عنه، والنزاع بين السودان وتشاد.

بالطبع يتطلع السودان لأن يفوز برئاسة الاتحاد الإفريقي كما جرى بذلك العرف في الاجتماعات السابقة أن ينال البلد المضيف للقمة منصب الرئاسة للدورة التالية.

وقد كان ذلك يتم بصورة آلية في منظمة الوحدة الإفريقية دون انتخاب ولكن قانون الاتحاد الإفريقي الذي جعل انعقاد القمة مرتين في العام بدلاً من مرة واحدة نصّ على انتخاب الرئيس مع مراعاة التداول على الرئاسة بين أقاليم القارة الخمسة.

والسودان يستحق أن ينتخب بحكم أنه بلد مضيف وأن دول شرق إفريقيا التي من نصيبها الرئاسة في هذه الدورة قد أجمعت على اختيار السودان الذي لم يحظى بالرئاسة منذ عام 1978.

ومع ذلك رأى اجتماع وزراء الخارجية (ترأسته نيجيريا) نهار الجمعة أن لا يبت في اختيار رئيس للمجلس التنفيذي الذي يضم كل وزراء الخارجية، ولا يوصي بانتخاب رئيس للاتحاد بل يترك ذلك للرؤساء أنفسهم، ولا يخلو القرار من طعنة للسودان ولكنه ليس معيبا من الناحية القانونية الشكلية.

ويبدو أن الرئيس أوباسانجو يتطلع إلى دورة جديدة بعد أن أكمل ما يقرب من العامين في رئاسة الاتحاد، ومن البديهي أن تفضل الدول الغربية الكبرى - التي تجيد اللعب والإغراء والابتزاز من وراء الكواليس - رئاسة أوباسانجو على رئاسة البشير!

كان من المفروض ان يخاطب النائب الأول سلفاكير الجلسة الافتتاحية لاجتماع المجلس التنفيذي ولكنه تغيب عن الاجتماع بحجة حضور مؤتمر المرأة في جنوب السودان بمدينة جوبا، وهي حجة واهية مقارنة بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الإفريقي!

وكان من الممكن أن يشترك في التأثير على بعض الوفود الإفريقية التي يعرفها لمصلحة القضايا السودانية المطروحة ومنها رئاسة الدورة، وقد تحدث نيابة عنه الدكتور لام كول وكان مشرفا بمعنى الكلمة، والحقيقة أن أداء الدكتور لام كول منذ أن تسلم حقيبة الخارجية اتسم بالقومية والاتزان والكفاءة بل والمؤسسية التي هي عملة نادرة في دولة الإنقاذ!

القضية الثانية التي تهم السودان هي النزاع في دارفور والفشل الذي صاحب مفاوضات أبوجا حتى الآن وتدهور الحالة الأمنية وعجز القوات الإفريقية عن معالجتها ونضوب موارد تلك القوات وبقاء النازحين واللاجئين خارج مناطقهم واستمرار مأساتهم الإنسانية .

وعدم نزع سلاح الجنجويد وعدم محاكمة المسؤولين الكبار عن جرائم الحرب، مما حدا بمفوضية الاتحاد الإفريقي وممثل الأمين العام في دارفور (أيان برونك) والأمين العام نفسه أن يدعو إلى زيادة القوات العسكرية وإعطائها صلاحيات أكثر لحماية المدنيين ووضعها تحت الإشراف المباشر للأمم المتحدة.

وليس من مصلحة السودان أن تنتقل إدارة القوات الأجنبية في دارفور ـ أيا كان من يعملون فيها ـ إلى الأمم المتحدة لأنها ستكون أقرب للنفوذ الأميركي وأبعد عن التأثير السوداني والإفريقي. ولو استطاع السودان أن يخرج من القمة بقرار ضد تحويل قوات السلام إلى الأمم المتحدة وضد اتهامه بتفشيل محادثات أبوجا وبانتهاكات حقوق الإنسان.

وبمناشدة الدول المانحة بتمويل القوات الإفريقية التي تتطلب 160 مليون دولار حتى تظل تؤدي مهمتها إلى ديسمبر المقبل وأن تسهم بعض الدول الإفريقية القادرة في ذلك التمويل مثل ليبيا وجنوب إفريقيا والسودان، لكان ذلك نجاحا مقدرا للسياسة السودانية.

ويمثل القرار حول نزاع دارفور أهم موضوع سياسي في هذه القمة. لقد جاء في تقرير لجنة حقوق الإنسان التابعة للاتحاد الإفريقي اتهام سبع دول في القارة بأن سجلها ضعيف في حماية حقوق الإنسان، ومن تلك الدول السودان!

ومن المؤشرات الصحية أن تجرؤ لجنة افريقية على انتقاد سجل حقوق الإنسان البائس في القارة الإفريقية وتسمي دولا كبيرة مثل مصر وزيمبابوي والسودان ولكنها ذهبت إلى الطرف الآخر بعدم استماعها لدفاع تلك الدول عن نفسها والاكتفاء بتقارير المنظمات العالمية والدول الغربية وكأنها صدى لتلك الدول مما أعطى الدول المذكورة حجة قوية ضد تقرير اللجنة.

القضية الثالثة هي النزاع الأخير الذي نشب بين السودان وتشاد بسبب اتهام تشاد للسودان أنه يأوي المعارضة التشادية ويدعمها لإسقاط نظام الرئيس إدريس ديبي، ولا شك أن الوفد التشادي سيثير المشكلة ويقدم حيثياته وأدلته ضد السودان، وهى تهمة كررها كثير من الحكومات في تشاد ولم تكن مختلقة في كل الأحوال!

فلو خرج السودان من هذه التهمة الجارحة دون إدانة وبدعوة من القمة للتفاوض والتوفيق بين الطرفين في محادثات مباشرة لكان ذلك كسبا له قد يعينه على كسر الجمود في مفاوضات أبوجا والإسراع بإيجاد حل ناجع لمشكلة دارفور المتأزمة.

إن نجاح القمة أو فشلها بالنسبة للسودان يتمثل فيما يتخذ من قرارات في القضايا الثلاث المذكورة سابقا، ولكن أيا كانت تلك القرارات مرحبا بالقمة الإفريقية في السودان بعد غيبة طويلة!

كاتب سوداني