تحتل الجامعات في المجتمعات المتقدمة مكانة عالية، وينظر إليها على أنها المنبع الذي تستقي منه المجتمعات مصادر تقدمها وإبداعها وتطويرها، وعلى أنها المكان الذي يجد فيه الحوار العلمي الرفيع متنفسه ومساحته الممتدة الواسعة التي لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود.
ولذلك نرى أنّ كل فئات المجتمع تتوجه إلى الجامعات وإلى من يمثلونها بالاحترام والتقدير والإكبار، فهم يرون في أعضاء الجامعة من الأساتذة والباحثين مثلا أعلى ومصدرا موثوقا فيه من مصادر المعرفة والعلم والثقافة.
ولا شك أنّ التعليم الجامعي يناط به دور كبير يتجاوز الدور المتعارف عليه في التعليم العام، فهو المحطة الأخيرة التي يصل إليها الطالب قبل أن يخرج إلى الحياة العملية ومتطلباتها الكثيرة.
فلا يتوقف التعليم في الجامعات على تزويد الطالب بالمعارف العامة وتدريبه على ممارسة بعض المهارات الأساسية التي لا يستغنى عنها في جميع العلوم والمعارف بغض النظر عن خصوصية التخصص العلمي .
وقدرات الطالب العلمية وميوله الشخصية ومواهبه ورؤيته الخاصة التي تشكلت وتتشكل انطلاقا من كونه فردا له تجاربه الخاصة ورؤاه وتصوراته عن الحياة والعالم، فهو في هذه المرحلة يبدأ يكتشف ذاته من جديد وفق مرحلة من النضج العقلي والعاطفي والروحي تؤهله بعد ذلك أن ينهض بالدور المنتظر منه بصفته فردا مسؤولا في مجتمع كبير تتداخل فيه المسؤوليات والعلاقات بحيث تتجاوز ذات الشخص إلى عموم المجتمع بكل فئاته ومتطلباته وغاياته الكبيرة الكثيرة.
ولا شك أيضا أننا ونحن نعيش مرحلة مهمة في تاريخ نهضة بلادنا وتطويرها نحتاج أن نتأمل بصدق وروية واقع التعليم في جامعاتنا فنتحلى بالشجاعة والموضوعية ونقرّ بوجود بعض الممارسات التي تنأى بنا عما وضعناه لأنفسنا من غايات كبيرة وأهداف نبيلة، بحيث يصبح المرء واقعا تحت وطأة السؤال الكبير الذي يزداد ثقله على العقل والروح، ويتردد صداه بلا توقف ولا انتهاء: أين الخلل؟
ولست هنا بصدد الإجابة عن السؤال لأنني لست مخولة ولا قادرة على ذلك. ولأن الإجابة عنه تحتاج إلى دراسة وبحث وتشخيص دقيق لواقع التعليم في الجامعات العربية.
ولكني من خلال تجربتي المتواضعة ووقوفي على بعض الوقائع أستطيع أن أشير إلى بعض الممارسات التي أصبحت جزءا ثابتا ومتكررا في التعليم الجامعي بحيث أضحت محاولات تصحيحها وتوجيه مسارها إلى الوجهة الصحيحة مهمة صعبة جدا لا تستطيع الجهود الفردية مهما تكن مخلصة أن تنهض بها.
ولعل البحث العلمي يقع في قلب أي تعليم جامعي يتوقع منه أن يوصف بالتميز والتفوق والإبداع، إذ يختلف البحث العلمي عن كل ممارسات التعليم والتعلم الأخرى في أنه الوسيلة الوحيدة القادرة على منح المتعلم فرصة اختبار ما تعلمه والتعمق فيه وتأمله ونقده.
وهو المجال الذي يتيح له أنْ يتحرر من القيود الروتينية التي لا تستطيع الطرق الأخرى أن تتحرر منها نهائيا، وهو المجال القادر على أن يهيئ للمتعلم فرصة الانغماس في المعرفة القائمة والانفتاح على المعرفة الجديدة والربط بينهما ربطا موضوعيا علميا ينتج الجديد من الأفكار والرؤى والاكتشافات.
ولذلك فإن الجامعات توليه أهمية كبيرة وتضع في خططها وبرامجها التعليمية مساقات خاصة بالبحث العلمي في كل التخصصات العلمية حتى تطمئن إلى أنّ طلابها لم يحرموا من فرصة التجربة الشخصية التي تستجيب لفضولهم العلمي وتتيح لهم فرصة التوسع والاطلاع والقراءة وتكوين آرائهم الخاصة وإنتاج أفكارهم التي قد تكون يوما ما مفاتيح لمشاريع علمية كبيرة يتبناها المجتمع ويطبقها ضمن سعيه الحثيث نحو التقدم والتطوير.
إنّ البحث العلمي هو الأساس المتين الذي يهيئ للطالب فرصة ممارسة الدقة المنهجية ممارسة حقيقية بعيدة عن أشكال الاستظهار والحفظ وغياب الذات، وهو المحك الذي تمتحن فيه القدرات والمواهب.
وتتاح فيه للمتعلم فرصة اختبار الصبر والمثابرة والصرامة، والتدرب على الأمانة العلمية وتقدير الآخرين وما قدموه للعلم بغض النظر عن موقفنا منهم أو آرائنا الشخصية في توجهاتهم وأفكارهم.
ولكن الذي يحدث في الواقع ـ في كثير من الأحيان ـ ينأى عن هذا كله، ويبتعد كثيرا عن المأمول الذي نتطلع إليه ونعمل جاهدين عن تحقيقه؛ فكثير من البحوث الجامعية التي يكلف بها الطلبة لا تتعدى أن تكون أوراقا منسوخة من كتب أو مقالات إن لم يكن مسحوبا بالكامل من شبكة المعلومات.
وكثير من الطلبة ـ باعتراف بعضهم ـ يلجأ إلى أشخاص أو مكاتب تتكفل بإعداد البحث وكتابته وطباعته وإخراجه بالشكل الذي يتناسب مع تكلفته التي اتفق عليها.
وقد انقلب الحال عند بعض الطلبة فأصبح التركيز على الشكل هو شغله الشاغل، فهو يقضي الساعات وقد يصرف المبالغ الطائلة ليقدم بحثه في صورة فنية تأخذ باللب وتدهش الرائي والسامع، ولا يهم ـ بعد ذلك ـ محتوى البحث ومضمونه.
إنّ هذه التوجهات وما يغذيها من ممارسات يقوم بها كثير من الطلبة في الجامعات تشير إلى وضع يحتاج إلى تصحيح سريع وحاسم بحيث يحفظ للبحث العلمي مكانته، ويعيد للتعليم الجامعي هيبته ودوره الحقيقي الذي يناط به في مجتمع فتي يسعى حثيثا نحو التقدم ويعقد الآمال ويبني الأحلام على الأجيال الصاعدة من أبنائه وبناته.
جامعة الإمارات