بينما يعول الكيان الصهيوني على إحداث خلل استراتيجي في المعادلة الديمغرافية بين الفلسطينيين والاسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عن طريق ممارسة سياسة فرض الأمر الواقع القائمة تاريخياً على فرضية أن أرض فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض وراهناً على مصادرة الأراضي .
وبناء المزيد من المستوطنات وتوسيعها واستقدام المزيد من أعداد المستوطنين الى مناطق الضفة الغربية عموما ومنطقة القدس وضواحيها على وجه الخصوص، تتخلى السلطة الوطنية الفلسطينية بمحض إرادتها عن الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني الذي يعيش في غياهب الشتات في سائر بقاع الأرض وتحرمه من حقه السياسي في تقرير مصيره واختيار أطره القيادية الشرعية بعد أن أخرج من أرضه عنوة.
عشية الانتخابات التشريعية الفلسطينية المنتظر اجراؤها غدا، كان لا بد من العودة الى تقرير أصدره مكتب الاحصاء الفلسطيني أخيرا يبين التعداد الأخير للشعب الفلسطيني .
ويوضح خارطة التوزع السكاني الخاصة به، حيث يفيد هذا الاحصاء المهني الدقيق بأن تعداد الشعب الفلسطيني في العالم قد بلغ حتى منتصف عام 2004 ما مجموعه 6,9 ملايين نسمة يتوزعون على النحو التالي:
9,4 ملايين يعيشون في الشتات خارج فلسطين التاريخية ومليون و100ألف يعيشون في أراضي 1948 بينما يعيش 637,3 ملايين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
هذه الخارطة السكانية تبين بوضوح أن غالبية الشعب الفلسطيني غير معنية بانتخابات ما يسمى المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي كان حريا أن يطلق عليه اسم المجلس التشريعي في ما تبقى من أراضي قطاع غزة الضفة الغربية والقدس .
وذلك انسجاما مع واقع الأمور وأخذا في الاعتبار أن هذه الانتخابات وغيرها انما تجري استنادا الى اتفاقات أوسلو التي لم تأت على ذكر تلك الغالبية والتي تحرص قيادة السلطة الفلسطينية على التأكيد بأن هذه الاتفاقات تمثل المرجعية السياسية الوحيدة للانتخابات التشريعية المنتظرة غدا وأن أي طرح خارج هذا السياق انما ينسف العملية السياسية برمتها.
وبالتالي فإن فوز أي قوة سياسية فلسطينية لا تتبنى تلك الاتفاقات التي ثبت فشلها الذريع خلال السنوات العشر الأخيرة لن يعني سوى إلغاء نتائج هذه الانتخابات وبقاء الوضع على ما هو عليه .
حيث تتوج قوى سياسية على رأس قمة الهرم السياسي الفلسطيني في صيغة لا تعكس بأي شكل من الأشكال ارادة الناس الذين يفترض أنها تمثلهم ولا الخارطة السكانية الفلسطينية.
يبدو أن السلطة الفلسطينية باتت بارعة في اعتماد سياسات الأمر الواقع على غرار من تطلب ودهم كي يعترفوا بها شريكا في عملية «سلمية» ولدت ميتة أصلاً، لأنها لا تقوم على الحقائق الجغرافية والديمغرافية لشعب ينمو بصورة طبيعية رغم أنف الاحتلال وأعوانه.
وذلك الاصرار على السير في طريق أوسلو وشطب الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني من الخارطة السياسية، ما هو الا اصرار على التوغل في سياسة ارضاء أعداء الشعب الفلسطيني الذين سعوا على مر التاريخ ولا يزالون الى طمس هوية هذا الشعب.
خاصة وأنهم يدركون جيدا بأن كل ما يجري ما هو الا زوبعة في فنجان وبأن طرح مسألة قيام دولة فلسطينية على أنها مسألة أولوية ما هو الا وهم سياسي من الدرجة الأولى، ليس المقصود منه سوى حرف اهتمام الجانب الفلسطيني عن مساره الحقيقي الذي يبدأ أول ما يبدأ بالسعي الى عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم.
إذا ما أريد لهذا الحق أن يرى النور في المستقبل فأول ما يتعين على القوى السياسية الفلسطينية القيام به يكمن في السعي الى ايجاد صيغة دستورية تبين العلاقة المتداخلة بين المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس التشريعي في الضفة وغزة .
فيما يعكس علاقة الكل بالجزء والداخل بالخارج والسلطة الوطنية الفلسطينية بإطارها الأوسع منظمة التحرير الفلسطينية وعندها فقط يمكن اعتبار الانتخابات التشريعية التي ستجري غداً محطة تاريخية مفصلية في المسيرة النضالية للشعب الفلسطيني.