أحرزت الدولة اليمنية انتصارا باهرا بإلقاء القبض على خاطفي السواح الإيطاليين ولاشك أن سوقهم للسجون ومحاكمتهم محاكمة عادلة ونزيهة سوف يفرض هيبة النظام والقانون.
فقد كان الخطأ في الماضي مداجاة الخاطفين والنزول على العرف القبلي وتلبية مطالب الخاطفين التي هي مكاسب خاصة لا تخدم قضية ولا تعود بالنفع على قراهم وأهاليهم وتكون الدولة اليمنية كلها هي الخاسر الأكبر.
لقد فتحت هذه المعالجات الخاطئة شهية القبائل حتى تلكم التي لم تكن تعرف هذا النوع من الجرائم وألحق الاختطاف والاغتيالات وتجارة السلاح والمخدرات أضراراً فادحة بالاقتصاد والأمن والاستقرار وسمعة اليمن ومكانتها.
والحقيقة ان المعالجات العسكرية والأمنية على أهميتها والتي تأخرت كثيراً لا تكفي لمعالجة جرائم الاختطاف والتعدي على السواح والمواطنين فمثل هذه المعالجة رغم مشروعيتها آنية ومؤقتة وتبقي على عوامل الاختطاف كامنة ويمكن عودتها في أي لحظة من اللحظات وربما بصورة أكثر ضرراً وخطورة.
إن اكبر عامل من عوامل انتشار هذه الظاهرة هو اعتقاد زعماء القبائل والعشائر أنهم فوق الدولة وفوق النظام والقانون وتصرف الدولة وكأنها امتداد للقبيلة وتجل من تجلياتها وكثيرا ما تتماهى الدولة مع القبيلة لكأنها هي.
فرض الدولة هيبة النظام على جميع المواطنين مطلب دعت إليه القوى الديمقراطية منذ ثورة سبتمبر 62 وظلت الدولة اليمنية تتلكأ إما بسبب عجزها أو لاعتبارات أخرى أهمها تحالف الدولة مع القبلية والاستنجاد بها في حربها ضد خصومها السياسيين.
وهناك أسباب موضوعية تتعلق بتركيبة المجتمع اليمني وقوة النفوذ القبلي المدجج بالأمية والسلاح وغياب مشاريع التنمية والبناء والخدمات في المحافظات الشرقية والشمالية ذات البنى القبلية .
مما جعل القبيلة من الناحية الفعلية خارج سلطة الدولة ونفوذها وجعل من زعماء القبائل واسطة العقد بين الدولة والمواطنين وسط حرص منهم على بقاء القبيلة بعيدا عن نفوذ الدولة.
وهم أكثر حرصا على عدم ربطها او تحولها إلى مجتمع مدني وعدم تزويدها بالمدارس والمستوصفات ومياه الشرب النظيفة ووجود منشآت ومرافق خدمية واقتصادية تحد من نفوذهم.
وتمنح القبيلة نوعاً من الاستقلال عن أبوية زعيم القبيلة وربما لعب التهريب وساعدت تجارة السلاح على بقاء التماسك القبلي في بيئة شموس وجبلية يصعب مد الخدمات إليها كما أن القرى الصغيرة مذرورة في مسافات متباعدة وشديدة الوعورة.
ومعروف ان امتزاج التمذهب بالقبلية يجعل منهما مركبا كيماويا شديد التفجر والعصبية والعنف ومثل هذا الصراع الكالح يفتح الباب أمام تدخل خارجي متحفز، فتصبح المعالجات العسكرية والأمنية كمن يصب الزيت على النار ويساعد على التدخل، والقبلية اليمنية عبر تاريخها الطويل تختزن ذاكرة مليئة ودامية بالفتن والحروب.
صحيح ان اكتشاف النفط والغاز في هذه المناطق قد فرض على الدولة الدخول بالدبابة والكتيبة قبل المدرسة والمستوصف ومياه الشرب ولكن الخطيئة الكبرى حرص الدولة على حرمان هذه المناطق من نعمة وبركات عائد مناطقها مما ضاعف من التمردات وجعلها اكثر ضررا وخطورة.
مصيبة المصايب اعتبار القبيلة نفسها فوق الدولة والنظام والقانون. ورؤيتها للدولة كطرف منها تمرد عليها. ورؤية الدولة نفسها جزء لا يتجزأ من القبيلة تتماهى معها. وتنزل على حكمها.
وتتعامل مع الاغتيالات وتجارة وحمل السلاح والخطف والاحتراب والثارات وكانها ارث مؤبد. وليس من مخرج للمحنة التي سوف تتكرر طالما بقيت العلاقة بين الدولة والقبيلة ملتبسة ومتداخلة. وما لم تتحول الدولة إلى دولة مدنية تمثل نفيا للقبيلة النافية للوطن بانغلاقها وشرنقتها.
وتبقى مسؤولية الدولة في تحديث نفسها. وتمدين مجتمعها هي الحرف الأول.