الديمقراطية هي نظام حكم مركب، يصعب تعريفه بوضوح، وذلك لأنه كثير التعقيد، متعدد المستويات والمسؤوليات، كما أنه أيضاً نظام ديناميكي دائم التطور والتحول يتأثر بكل ما يعيشه المجتمع من تحولات وتغيرات ثقافية واقتصادية وسياسية، ويؤثر في محيطه العام بأبعاده الثقافية والسياسية والاقتصادية المختلفة.
وهذا يجعل الديمقراطية بحاجة لشروط كثيرة يصعب تحديدها بدقة، ولعوامل أخرى مساندة غير ثابتة للتجاوب مع الاحتياجات المتباينة في مراحل التطور المجتمعي المتلاحقة، وذلك كي يكون بإمكان العملية الديمقراطية تحقيق النجاح والقيام بأداء المهام المجتمعية الموكلة إليها بكفاءة.
لقد كان للديمقراطية، كما كان لغيرها من أفكار عظيمة في الماضي، نصيبها من الانجازات الكثيرة والإخفاقات العديدة. ويعتبر التحول إلى قيمة اجتماعية - ثقافية أهم انجازات الفكرة الديمقراطية على الإطلاق.
وهو الانجاز الذي مكنها من التحول مع الزمن من مجرد فكرة فلسفية إلى حالة ذهنية مجتمعية، وقناعة فردية وجماعية مترسخة في فكر ووعي الشعوب الديمقراطية. وتقوم تلك القناعة على المساواة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع الواحد، واحترام الرأي الآخر، وحل الخلافات مع الآخرين بالطرق السلمية.
بالرغم من النجاحات الباهرة التي حققتها الديمقراطية لشعوب كثيرة، إلا أن الفكرة لا تزال غريبة عن حياة معظم شعوب العالم، كما أن وجودها في مجتمعات معينة لم يكن كافياً ليتمتع الشعب بالمزايا الديمقراطية والحصول على حقوقه التي يصونها القانون ويقوم النظام الديمقراطي على أساسها.
ويعود السبب في ذلك لعوامل عدة، أهمها غياب الإنسان الديمقراطي، أي الفرد الذي يفهم الديمقراطية، ويعي دورها المجتمعي، ويعمل مع غيره من الأفراد والجماعات على توفير الأجواء المناسبة لها والشروط الكفيلة بنجاحها. يتفق غالبية الفلاسفة السياسيين على أن الديمقراطية كنظام حكم سياسي بحاجة لتوفر ثلاثة شروط رئيسية:
1ـ تعددية سياسية، أي وجود أكثر من اتجاه أو تنظيم سياسي في المجتمع.
2ـ طبقة متوسطة كبيرة لديها ما يكفي من الوعي بحقوقها وموقعها من حياة المجتمع.
3ـ إعلام حر ومحايد، يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية والنزاهة.
أثبتت التجارب الديمقراطية المختلفة أن العوامل المشار إليها أعلاه تعتبر كافية لإقامة الهياكل التنظيمية واستكمال متطلبات اللعبة الديمقراطية، إلا أنها ليست كافية وحدها لنشر روح الديمقراطية في المجتمع وحمل مختلف الأفراد على ممارسة اللعبة الديمقراطية بشكل يحقق الهدف المنشود منها. لذلك كان لا بد من إضافة عامل رابع.
4ـ سيادة ثقافة التسامح القائمة على القبول بمبدأ اختلاف الأفكار وتباين المصالح بين أفراد المجتمع الواحد، والاعتراف بحقوق الآخرين في التعبير عن أفكارهم والسعي لحماية مصالحهم.
إن تمتع الإنسان بالحرية يعني أن يكون له الحق في الاختيار بين بدائل مختلفة، وأن تكون لديه الفرصة ليتبنى ما يناسبه من أفكار وعقائد سياسية وأحزاب متنافسة وقيم دينية واجتماعية - ثقافية، وأن يشتري ما يناسب ذوقه من بضائع متنوعة، بغض النظر عن مصدرها. وهذا ليس بالإمكان توفره في أي مجتمع من المجتمعات دون وجود تعددية تقوم على توفر البدائل وحرية الاختيار.
أما فيما يتعلق بالديمقراطية، فإنه ليس بالإمكان تأسيسها وممارستها إلا حين تسود المجتمع تعددية سياسية، أي حين يتواجد في المجتمع أكثر من حزب واحد، وحين تكون المنافسة بين الأحزاب المختلفة بغرض كسب ولاء الشعب والوصول إلى الحكم.
وفي العادة تكون المنافسة بين الأحزاب شديدة حين تكون المبادئ الحزبية قائمة على العقائدية، مما يمنح الناخبين فرصة الاختيار بين الأحزاب المتنافسة والأفكار المتباينة وبرامج العمل الحزبية المتنوعة.
بعد قيام الثورة الصناعية في عدة دول أوروبية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وتبلور المجتمع الصناعي بطبقاته المختلفة، بدأت المصلحية تأخذ مكانة العلاقات العائلية والقيم الدينية في تنظيم العلاقات بين الطبقات والفئات الاجتماعية في المجتمع الجديد.
ولقد تبع ذلك ظهور الحزبية وقيام المعنيين بتنظيم انفسهم على أساس المصالح والهموم المشتركة، حيث أصبح الحزب لسان حال الطبقة الاجتماعية التي يمثلها، ويعكس في برامجه الأهداف التي تسعى تلك الطبقة إلى تحقيقها من خلال العملية الانتخابية الديمقراطية.
كانت الطبقة المتوسطة ولا تزال من أهم سمات المجتمع الصناعي، وهي سمة أفرزتها الثورة الصناعية في طريقها إلى خلق مجتمع جديد ذي ثقافة جديدة مغايرة لثقافة المجتمع الزراعي القديم.
ولقد لعبت تلك الطبقة دورا هاما ورياديا في قيادة عملية التصنيع وتنمية الاقتصاد، وذلك من خلال تنويع النشاطات الاقتصادية وزيادة حجمها ومجالاتها، والإسهام في تطوير الكثير من الصناعات الصغيرة التي لم يهتم كبار الرأسماليين بتطويرها.
وبسبب جذورها غير الارستقراطية وغير العسكرية، فإن تلك الطبقة وجدت في الديمقراطية أداة سياسية هامة يمكن استخدامها لحماية حقوقها السياسية والاجتماعية والدفاع عن مصالحها الاقتصادية.
وهذا ساهم بدوره في دعم العملية الديمقراطية وتشجيع القطاعات الشعبية المختلفة على المشاركة في العملية الانتخابية، مما أدى إلى ترسيخ المفهوم الديمقراطي في الحياة العامة، وتحوله تدريجيا إلى قيمة اجتماعية - ثقافية.
إلا انه بالرغم من أهمية الطبقة المتوسطة في المجتمع وبالنسبة للاقتصاد الوطني ودورها الريادي في دعم وتنشيط العملية الديمقراطية، إلا أن تلك الطبقة ضعفت كثيرا في العقود الأخيرة لدرجة جعلتها غير قادرة على مواصلة دورها في حماية العملية الديمقراطية واستخدام تلك العملية لتعزيز مواقعها المجتمعية، السياسية منها وغير السياسية.
أدرك المعنيون بالعملية الديمقراطية وغير الديمقراطية من الحكام أن للإعلام أهمية كبيرة في الحياة المجتمعية، خاصة في الحياة السياسية والثقافية.
ولذا كان السياسيون أول من استخدم الإعلام بكفاءة للترويج لأفكارهم السياسية والعمل على توجيه الرأي العام بما يخدم مصالحهم الذاتية والطبقية، ومن أجل الاستحواذ على أكبر قدر من الشعبية لكسب الانتخابات أو للبقاء في الحكم.
ومنذ أن تم تطوير فن الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر، اتجه دور الإعلام في حياة المجتمع إلى التصاعد، وتكالب الطبقات الاجتماعية المهيمنة على امتلاك المؤسسات الإعلامية والسيطرة عليها إلى التزايد.
بعد اختراع الراديو والتلفزيون وحدوث ثورتي المعلومات والاتصالات لم يعد الإعلام مجرد أداة طيعة في يد الطبقات الحاكمة والثرية تستخدمها لتعزيز مصالحها فقط، بل أصبح عملية مجتمعية ذات استقلالية كبيرة وقدرة غير عادية على التأثير في تطور المجتمع وما يكتنف حياته من أحداث.
وفي الواقع، أصبح الإعلام في النصف الثاني من القرن العشرين العملية المجتمعية الأقدر على الوصول إلى مختلف قطاعات الشعب في كل الأمكنة وفي كل ساعات الليل والنهار، كما أصبح بإمكانه صياغة وإعادة صياغة الرأي العام.
وتشكيل وإعادة تشكيل أذواق المستهلكين، والقيام بخلق حاجات جديدة لم تكن موجودة أو معروفة من قبل، وذلك من خلال الترويج لبضائع وخدمات قبل قيام المصانع بإنتاجها وتوفيرها في الأسواق.
وهذا يعني باختصار أن الشروط الأساسية التي تحتاجها العملية الديمقراطية لم تعد تتوفر في المجتمع الغربي بالكيف والشكل والقدر المطلوب لقيام تلك العملية بدورها وتحقيق أهدافها المجتمعية.
لذلك كان لا بد من البحث عن أسباب ضعف تلك العوامل وكيفية معالجتها، وإعادة النظر في المتطلبات الأساسية والعملية الديمقراطية برمتها. وفي اعتقادنا سيحتاج الأمر إلى العمل على تطوير العملية الديمقراطية في اتجاه الاعتماد على تعددية اجتماعية - ثقافية.
وليس سياسية فقط، ومراجعة دور العملية الإعلامية - المعلوماتية، وكيفية تطوير وتعزيز ثقافة التسامح في المجتمع. أما الطبقة المتوسطة فلا نعتقد أن بالإمكان إعادة بنائها من جديد، كما سيكون من الصعب جدا الحفاظ على ما تبقى منها حتى الآن.
professorrabie@yahoo.com
أكاديمي أميركي من أصل عربي