«أريد أن يدفع ثمن ما اقترفت يداه وهو ما زال حيا، لأنني أظن أنه سيعايش حكم الإدانة بلحمه ودمه على الأقل حتى لو لم يدخل السجن». بهذه العبارة لجوانا سبيدرا تنهي الصحفية التشيلية الكندية المستقلة جن روس واحدة من القصص غير المروية أو التي لم تتم الكتابة عنها بشكل كاف في وطنها الأم الذي عادت إليه لتكتب عنه.

أما جوانا سبيدرا التي تتحدر من بلدة كالاما التشيلية فتقول إن الجنرال أوغستو بينوشيه هو المسؤول في النهاية عن اختفاء زوجها مانويل.

وهذا هو أيضا ما تقوله فكتوريا سافيرا التي تبحث عن أخيها خوزيه الذي كان يواصل تعليمه كي يصبح مدرساً بمدرسة ابتدائية عندما احتُجز من قبل العسكر في تشيلي عام 1973 وكانت هي وقتها طالبة جامعية. ورغم أنه لم يتم العثور على رفات أخيها إلا أن فكتوريا واثقة من أنه كان ضحية: «قافلة الموت».

وهي واحدة من الكثير من الحملات التي أودت بحياة الآلاف إبان حكم الجنرال أوغستو بينوشيه. جوانا وفكتوريا ليستا إلا نموذجين من عشرات الآلاف الذين فقدوا أقارب لهم أثناء الحكم العسكري لتشيلي الذي امتد سبعة عشر عاما، حيث الكثير ممن ظلوا على قيد الحياة هم نساء ثبتن على موقفهن وواصلن البحث عن المفقودين.

هل يعيد فوز الاشتراكية ميشال باشليه في الانتخابات الرئاسية في تشيلي الأسبوع الماضي إلى الذاكرة المزيد من قصص الحكومات العسكرية المستبدة، أم أن الذاكرة ليست بحاجة إلى ما يقدح زنادها، خاصة عندما يتعلق الأمر بفقد أولئك الذين نحبهم تحت أي ظرف من الظروف؟

لعل ميشال باشليه نفسها واحدة من ضحايا حكم العسكر الذين قاموا بالانقلاب على الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور الليندي في الحادي عشر من سبتمبر عام 1973.

وقتها كان والدها يعمل طيارا في الجيش وقد ترقى إلى رتبة جنرال، ولأنه كان مقربا من الليندي فقد تم اعتقاله وأُودِع السجن ليُعذَّب على أيدي زملائه إلى أن توقف قلبه عن العمل وتُوفي بعد ستة أشهر من اعتقاله.

هل توقف مسلسل معاناة ميشال باشليه عند هذا الحد أم استمر بعد وفاة والدها؟

في يناير من عام 1975 تم اعتقال ميشال وأمها أنجيلا جيريا من قبل الجيش التشيلي بتهمة الانتماء إلى الحزب الاشتراكي المحظور، وتم حبسهما في قفص دون طعام لمدة خمسة أيام، وتعرضت زميلات لهما للاغتصاب على يد الحراس.

تقول إليزابيث ليرا الأكاديمية التشيلية المرموقة التي درست وأعدت أبحاثا حول انتهاكات حقوق الإنسان في تشيلي كما ينقل عنها جوناثان فرانكلين مراسل ومينز اي نيوز: «ليس بوسعك أن تقول إنها اعتُقلت ثلاثين يوما فحسب، فقد كانت هذه الثلاثون يوما مليئة بالرعب، وكان الاغتصاب كثير الحدوث.

إضافة إلى اللكمات وإساءة المعاملة جنسيا والإهانات، والتعرض لفترات تحقيق طويلة. كما أن صعق المعتقلين بالتيار الكهربائي كان أمرا شائعا، وكان المرء يسمع أصوات الآخرين فيما يتم تعذيبهم».

أما ميشال باشليه نفسها فتصف السجن قائلة: «كانت هناك قضبان حديدية على النافذة في زنزانتنا. وكانت هناك أربعة أو خمسة أسرّة، في حين كنا نحن ثماني نساء. كانت الأسرّة مزدحمة.

وكانت امرأتان تنامان معا على سرير واحد أحيانا... وكان يتم عصب أعيننا طوال اليوم. بالطبع كنا نزيل هذه العصابات من على أعيننا، لكن ما أن يعود الحرس حتى نعيد وضعها من جديد، وإذا لم نقم بذلك كان الحرس يقومون بضربنا».

رحلة معاناة طويلة استغرقتها عودة ميشال باشليه إلى وطنها كي تعتلي كرسي الرئاسة بعد أن ذاقت مرارة السجن والتعذيب والنفي، فبفضل العلاقات العائلية مع بعض كبار المسؤولين العسكريين تم إنقاذ ميشال وأمها من الموت بعد أن تعرضتا للضرب، ثم نفيتا إلى استراليا لتتوجها بعد ذلك إلى ألمانيا الشرقية .

حيث واصلت ميشال دراستها الجامعية التي أكملتها بعد عودتها إلى تشيلي عام 1979 لتصبح طبيبة متخصصة في علاج الأطفال المصابين بالصدمات الذين يعيشون في نظم ديكتاتورية أو يتعرض آباؤهم للاختطاف.

وبعد زوال حكم العسكر وانتقال البلاد إلى الديمقراطية عام 1990 وجدت ميشال المجال أمامها مفتوحا لخوض غمار العمل السياسي فارتقت حتى أصبحت وزيرة للصحة قبل أن تصبح عام 2002 أول وزيرة للدفاع في أميركا اللاتينية.

ثم تفوز بكرسي الرئاسة في انتخابات حرة كان منافسها فيها الملياردير اليميني سباستيان بينيرا الملقب بـ «برلسكوني تشيلي» الذي جذب الناخبين المحافظين والمقيمين في المدن والرجال من الطبقة المتوسطة الناشئة.

بينما جذبت باشليه الناخبات اللواتي وجدن فيها مثالا لهن في مجتمع يشهد تطورا سريعا، ثلث النساء فيه مسؤولات عن تأمين لقمة العيش لعائلاتهن.

في كتابها الممتع «باولا» الذي سجلت فيه سيرتها الذاتية تتحدث الكاتبة التشيلية الأكثر شهرة إيزابيل الليندي عن آخر أيام عمها الرئيس سلفادور الليندي فتقول: «كان قائد القوات المسلحة الجنرال براتس من أنصار الدستور والسماح لـ «الليندي» بإنهاء فترة رئاسته بسلام، لكن وحدة من الجيش تمردت رغم ذلك.

ونزلت إلى الشوارع بالدبابات في شهر يونيو. وقد استطاع الجنرال براتس فرض الانضباط على تلك الوحدة، لكن الفوضى كانت قد انفلتت، فقد أعلن البرلمان عدم شرعية حكومة الوحدة الشعبية.

وطالب الجنرالات باستقالة قائدهم الأعلى، ولكنهم لم يواجهوه مباشرة، بل أرسلوا نساءهم للتظاهر أمام بيت الجنرال براتس في مشهد عام صاخب.

وجد الجنرال نفسه مضطراً إلى الاستقالة فعين الرئيس مكانه أوغستو بينوشيه، وهو رجل عسكري غامض لم يكن أحد قد سمع به من قبل، وصديق للجنرال براتس، وقد أقسم أن يبقى مخلصا للديمقراطية».

لكن الذي حدث بعد مظاهرة النساء تلك وتولي بينوشيه كان مأساويا، فقد انتهى المشهد بمعركة اشتركت فيها الطائرات والدبابات لتدك منزل الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور الليندي الذي كان يتمترس داخله مع عدد محدود من أتباعه.

أدرك الليندي أن أي مقاومة ستنتهي بمجزرة فأمر أتباعه بالاستسلام لأنهم سيكونون أكثر جدوى للشعب وهم أحياء منهم وهم موتى.

ودّع كلَّ واحد منهم بالضغط على يده وهو ينظر في عيونهم، وخرجوا في صف واحد وهم يرفعون أيديهم. استقبلهم الجنود بأعقاب البنادق والركلات، ودحرجوهم من أعلى الدرج ثم أفقدوهم الوعي في الأسفل من الضرب قبل أن يسحبوهم إلى الشارع.

وهناك طرحوهم على بطونهم فوق الرصيف بينما كان أحد الضباط يصرخ متوعدا بهستيرية أنهم سيجعلون الدبابات تمشي فوقهم. بقي الرئيس الليندي حاملا البندقية إلى جانب العلم التشيلي الممزق والملطخ بالدم في الصالة الحمراء المحطمة.

اندفع الجنود إليه بأسلحتهم الجاهزة لإطلاق النار، وتقول الرواية الرسمية إنه وضع سبطانة السلاح تحت ذقنه وأطلق النار فحطمت الرصاصة رأسه.

ما حدث بعد ذلك هو أن الجنرال أوغستو بينوشيه لم يف بقسمه فحكم تشيلي 17 عاما بالحديد والنار وتحول إلى واحد من أكثر دكتاتورات العصر الحديث قسوة، ثم انتهى به الأمر مقبوضا عليه من قبل شرطة لندن تنفيذا لأمر قضائي إسباني بتهمة ارتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان في تشيلي إبان فترة حكمه.

أما الرئيس الأميركي «ريتشارد نيكسون» الذي ساند بينوشيه لإسقاط حكومة الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور الليندي فقد انتهت حياته السياسية بأكبر فضيحة في تاريخ الولايات المتحدة بعد سنة من إسقاط الليندي؛ هي فضيحة «ووتر غيت» التي زعزعت الثقة بحرية ونزاهة الانتخابات في أكبر دولة تدَّعي الديمقراطية، وتدعو لها، وتدافع عنها، وتغزو بلدان العالم، وتسقط الأنظمة باسمها!

وفيما قضى الرجال بين منتحِر ومُطارَد من قِبَل العدالة ومهزوم سياسياً، بقيت نساء تشيلي يضربن للعالم المثل على المقاومة والصمود، ويعملن على إصلاح ما أفسده الرجال أو لم يستطيعوا فعله.

aliobaid2000@hotmail.com

كاتب إماراتي