رغم الأهمية الكبيرة للنقاش السجالي حول النموذجين الفرنسي والإنجلوسكسوني في شكله الثنائي التقليدي فإن الاضطرابات التي شهدتها فرنسا توسع نطاق تأثيرها ليشمل دائرة التأثير التاريخي لفرنسا كملهم لنموذج «الدولة الحديثة»، وهو ما عبرت عنه وسائل الإعلام بقولها إن انتفاضة الضواحي أسقطت الهالة الكبرى حول فرنسا «التي اعتادت توجيه العبر للعالم».
«الرايخ الأوروبي» مصطلح اجتهدت في اشتقاقه لوصف ظاهرة ذات طبيعة معرفية كان لها تأثير هائل خلال المئتي عام الماضية وهي الفترة الأكثر دموية في التاريخ، هذه الظاهرة هي «الدولة المطلقة» .
وهي البنت البكر للثورة الفرنسية التي سرعان ما تم استنساخها داخل أوروبا وخارجها، ويذهب بعض المفكرين في مقدمتهم الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى أن هذه الدولة المطلقة تتحمل المسؤولية الأولى عن الصراعات الدموية التي شهدتها أوروبا خلال هذين القرنين، غير أنه يرى .
ـ وهذا هو الأهم ـ أن التجربة النازية لم تكن استثناء ولا انحرافا عن هذه المسيرة بل ثمرة طبيعية لمشروع التنوير الفرنسي، فإذا كان المفهوم الفرنسي للأمة كما سيأتي في نظر أصحابه «صالحا لكل زمان ومكان» فإن الرايخ النازي كان يوصف بأنه سيدوم ألف عام، ولم يستمر فعليا لأكثر من 12 عاما!
وما يطرحه المسيري وآخرون من أعداء حركة التنوير الأوروبي يمثل قطرة في بحر من الدراسات المماثلة في الثقافة الإنجلوسكسونية، فقبل تفجيرات لندن بقليل كانت بريطانيا مشغولة بكتاب أثار جدلا كبيرا هو «الإرهاب: حرب أهلية في الثورة الفرنسية» (2005) للبريطاني دافيد أندرس .
وهو جزء من اتجاه عام في بريطانيا وأميركا، فإجمالا يعتبر الأميركيون وحلفاؤهم الإنجلوسكسونيون أن التطرف القومي والماركسي ذا التوجه الثوري سبب رئيس في ظهور الإرهاب وهو مذهب في التفكير والفعل أنتجته الثورة الفرنسية.
بل إن دراسات عديدة ليس أولها كتاب «إبادة جماعية فرنسية» (1989) للفرنسي رينالد سيشر وليس آخرها كتاب دافيد أندرس تحمل الثورة الفرنسية المسؤولية عن ظهور أيديولوجيا إبادة المعارضين السياسيين حيث شهدت فرنسا أول هولوكوست في العصر الحديث عندما أباد جيش الثورة الفرنسية حوالي ربع مليون من سكان فندييه (فاندي) بينهم 30 ألفا أدينوا أمام «قضاء استثنائي».
وفي هذه الحقبة المظلمة صيغت مفاهيم ما زالت تحكم العالم العربي مثل: «لا صوت يعلو على صوت المعركة»، و«أعداء الشعب». بل يرى أنصار هذا الاتجاه وهم كثيرون في التشكيل الحضاري الإنجلوسكسوني أن هذه هي البذرة التي أثمرت ستالين وهتلر وبول بوت وصدام حسين، وغيرهم ممن أبادوا معارضيهم السياسيين.
والأثر السلبي امتد بعيدا جدا حيث تراجعت صورة فرنسا في الخارج ولقيت هذه الاضطرابات أصداء واسعة، فبينما اعتبرت بعض البلدان الأوروبية أنها معنية بالأزمة وعليها استخلاص العبر منها جاءت ردود فعل مماثلة من أقصى الأرض ففي اليابان.
حيث تعرف فرنسا ببلاد «الفن والأزياء والترف وفن الطبخ»، اكتشف الجميع بذهول وجها بعيدا كل البعد عن هذه الصورة المنطبعة في أذهانهم وعبر عالم اجتماع روسي عن أثر الاضطرابات في صورة فرنسا قائلا:
«إن فرنسا هي بنظر الروس بلد نموذجي أقرب إلى مثال الدولة المتحضرة وأعمال الشغب ساهمت في ضرب هذه الصورة وأثارت صدمة». وكان التعبير الأوقع في صحيفة «تانيا» اليونانية التي قالت إن «فرنسا عاصمة الفشل الأوروبي»!
ولم يقتصر رد الفعل على الصدمة بشأن أفكار ومثاليات بل امتد ليشمل الخوف من امتداد النار في دول أوروبية أخرى وصولا إلى خوف من اضطرابات قومية قوقازية مماثلة في قلب روسيا.
ووجه فلاديمير جيرونوفسكي، نائب رئيس مجلس الدوما الروسي، برقية إلى السفير الفرنسي في موسكو يعرض فيها إرسال مساعدات لإعادة الأمن والنظام فيها بقيادة شبان روس من مشجعي كرة القدم (الشرق الأوسط اللندنية 10/ 11/ 2005)!
وقد حدث مع صعود الولايات المتحدة الأميركية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وتأسيسها تحالفا جديدا إنجلوسكسونيا على أسس ثقافية/ سياسية أن تصور الفرنسيون أن بالإمكان تأسيس «رايخ أوروبي» يواجه التشكيل الإنجلوسكسوني تكون قاطرته تحالف فرنسي ألماني وبدا من مسيرة الوحدة الأوروبية إصرار فرنسي على فرض قيم الثورة الفرنسية على الدستور الفرنسي.
وهو ما ورد حرفيا على لسان الرئيس شيراك قبل أن يقول له الفرنسيون «لا» بملء الفم عبر صندوق الاستفتاء، وتلا تعثر مسيرة الدستور الأوروبي تعثر آخر تمثل في تحول كبير في المزاج الألماني نحو التحالف مع أميركا بدلا من مواجهتها.
وبعد أن عجز الفرنسيون عن قراءة الدلالات الحقيقية للتصويت على الدستور الأوروبي جاءت النار ومن الداخل لتجعل الثوابت الفرنسية محل تساؤل، ولتجعلها حسب البعض في مهب الريح!
كاتب مصري