شهدت الأيام القليلة الماضية سلسلة من الخطوات والمواقف والتلميحات، المرتبطة بالمنطقة ـ ضمناً أو صراحة ـ والتي من شأنها أن تفرض حالة من الترقب وحبس الأنفاس. إن لم يكن من التخوف الفعلي المشروع.

ذلك أنها من الصنف غير الاعتيادي، المشحون بالإشارات الساخنة، أو التي توحي بسخونة قادمة. فهي تنطق بالتحذير؛ أو بالترهيب؛ أو بالرغبة في اتخاذ جانب الحيطة والحذر وكأن في الأجواء رائحة تطورات استثنائية هاجمة باتجاه المنطقة.

ثم ان توقيتها وتزامنها يحملان على التوقف عندها وقراءاتها في هذا السياق؛ لما تنطوي عليه من إيماءات مشتركة في هذا الاتجاه. لا سيما وأن الساحات الإقليمية المأزومة ليس في أجوائها ما يؤشر إلى فتحات انفراج قريب بل على العكس، كافة معطياتها تنبئ بالعكس.

وقد توالت هذه المؤشرات بشكل ملفت. نائب حاكم المصرف المركزي الإيراني يعلن أن بلاده بدأت باتخاذ الترتيبات لسحب أرصدة بمليارات اليورو، من مصارف أوروبية وإيداعها في مصارف آسيوية وغيرها. التفسير الشائع أن الخطوة هذه جاءت من باب التحوط لئلا تقع هذه الأرصدة في مصيدة التجميد.

رافق ذلك صدور كلام عن نائب الرئيس الأميركي تشيني بعد عودته من جولة في المنطقة العربية، بأنه ينبغي الاستعداد للتعامل مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط. البعض يتحدث عن شيء يقارب المئة دولار للبرميل!

في الوقت نفسه خرجت تصريحات منسوبة إلى مسؤولين أميركيين تطالب إسرائيل بضبط النفس في ردها على التفجيرات؛ لأن المنطقة قادمة على تطورات خطيرة»!

وكانت الذروة في خطاب مفاجئ للرئيس الفرنسي شيراك حذر فيه من «يلجأ من قادة الدول إلى وسائل إرهابية ضدنا أو الذين يفكرون باستخدام أسلحة دمار شامل، بطريقة أو بأخرى يجب أن يفهموا أنهم يعرضون أنفسهم لرد حازم ومناسب من جانبنا. يمكن أن يكون تقليدياً أو من نوع آخر». أي رد نووي!!

والتحذير هذا لم يقتصر على حصر استخدام السلام النووي دفاعاً عن الأراضي الفرنسية أو مصالحها الحيوية، بل شمل الدفاع عن الحلفاء. الذي استوقف أنها المرة الأولى التي يتحدث فيها شيراك عن الخيار النووي.

كما أنه تعمد إلقاء خطابه التحذيري ـ التهديدي على ظهر إحدى الغواصات في قاعدة نووية فرنسية. وكان شبه واضح في مقصده عندما أشار إلى «محاولة بعض الدول حيازة القوة النووية بما يتنافى مع المعاهدات الدولية».

نبرة غير مألوفة وباب لم يسبق للرئيس شيراك إن طرقه. ولو بالتلميح، الأمر الذي آثار الكثير من الاستغراب، لكن الأكثر من ذلك الأسئلة والتفسيرات والاجتهادات التي تتقاطع كلها عند ربط كلامه بالشرق الأوسط. وبالتحديد عند بؤره التي تشهد حالة من الغليان؛ في اللحظة الراهنة.

تدفق كل ذلك مع بعضه وفي هذه الظروف الشديدة التأزيم يفرض طرح علامات استفهام والتساؤل عما إذا كان في الأفق القريب تحولات من العيار الثقيل برسم المنطقة؟هل في ذلك تحميل للأمور أكثر مما تحتمل؟ ربما بل نرجو أن تكون الصدفة وحدها وراء هذا التواتر النوعي من التطورات.