أزمة الشرعية - خالد سيد احمد

أزمة الشرعية

في لقاء مع قناة «الجزيرة» أخيرا، قال الوزير اللبناني السابق والكاتب والمفكر المعروف غسان سلامة في رده على سؤال للمذيع ان «التدريس في الجامعة هو الزوجة الشرعية له، اما السياسة فهي الصديقة».

والواقع ان كلام سلامة وان يعبر عن مدى حبه وهيامه بالسياسة، الا انه ربما يكون التوصيف الاقرب والادق، لوضع بعض النظم في العالم العربي.

خاصة نظم «البيان رقم واحد» التي جاءت الى السلطة على ظهر دبابة،وتعاملت معها ومع والسياسة على اعتبار انهما مثل الصديقة، وليس الزوجة الشرعية، التى تحكم العلاقة معها تعاقد وتوافق وقبول وتراض واشهار.

هذه هى المشكلة الكبيرة التي تعاني منها بعض النظم فى العالم العربي، والتي للاسف رغم ادراكها لطبيعة هذه المشكلة، وتأثيراتها السلبية على مستقبل الاوطان، الا انها لم تحرك ساكنا من اجل تغيير هذا الوضع.

واعادة الشرعية الى علاقتها بالسلطة،عبر تفعيل العملية الديمقراطية الحقيقية بالانتخابات الحرة،ورفع القيود عن المشاركة السياسية وتوسيع مساحة التحرك لمؤسسات المجتمع المدني، والقبول بالرأي المخالف الذي ينادي بالاصلاح والتغيير.

هذه المشكلة ايضا،لم تبق تداعياتها السلبية داخل الاوطان فقط، بل امتدت الى خارجها، وألقت بظلالها على العلاقات بين الدول العربية،التي اصبحت مثل الحلبة التي يتصارع فيها لاعبون من دون سبب.

ويتجادلون بلا هدف، ويتخاصمون بلا داع، ويتجاهلون التحديات الحقيقية التي تحيط بهم، ويستقوون بالغرباء على الاشقاء ظنا منهم بأن هذا الامر يحقق المصلحة، رغم انه الخطوة الاولى نحو الهاوية.

هذا الغياب للشرعية،جعل الاهداف والرؤى تتعدد الى حد التناقض، والاتهامات تتطاير بين مختلف الاطراف، وصوت العقل يتراجع ليفسح المجال للغة الفوضى، التي تثير الشكوك وتنشر الضباب حول مجالات العمل المشترك الذي يدفع بمفرده ضريبة غياب الشرعية الدستورية والقانونية لبعض الذين يتحكمون بالقرار.

ان هذه الاشكالية العربية الحالية، هي انعكاس طبيعي لازمة الكثير من نظم الحكم الوطنية، التي تفتقر للحد الادنى من الشرعية،اللازمة للعمل والبناء ومواجهة التحديات الكبيرة ومعالجة الاحباطات والاخفاقات الكثيرة التي منينا بها، اثناء سعينا نحو العمل المشترك.

ليس هذا فقط، بل ان غياب الشرعية عن بعض النظم، يجعل أعداء هذه الأمة يتكاثرون عليها ويحاصرونها ويزيدون من ضغوطهم، من اجل تركيع شعوبها ووأد آمالها وطموحاتها في التطور والتقدم والعيش بكرامة.

نعتقد ان الوقت لم ينفد بعد لاصلاح الأحوال العربية، بل ان الامر يتطلب فقط، قليلاً من الارادة الحقيقية لحل ازمة غياب الشرعية التي تعاني منها بعض النظم،والانتقال في ممارسة الحكم والسياسة من مرحلة العلاقة مع «الصديقة» إلى مرحلة العلاقة مع «الزوجة» حتى تسلم الاوطان من مخاطر ازمة غياب الشرعية عن النظم.

والتي تغري اطرافا خارجية بممارسة ضغوط كبيرة عليها، مدركة أنها لا تستطيع ان تقدم سوى التنازلات والانصياع لما يطلب منها.

اننا لن نستطيع اعطاء ظهرنا للرياح الديمقراطية التي تهب على مناطق كثيرة في العالم، ومن الواجب ان نتهيأ ونفتح لها الأبواب، حتى لا تتحول الى عواصف مدمرة لاستقرار الشعوب وأمنها، الذي سيكون بالتأكيد الفريسة الاولى لاية هزات دراماتيكية قد تحدث، حال حاولنا مصادرة الحقوق ومقاومة التغيير والوقوف فى وجه التطلعات الشرعية للشعوب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات