تكلم حتى أراك-مجدي أبوزيد

تكلم حتى أراك

تقول إحدى الطرائف: إن صحافيا شابا قال لرئيس تحرير الجريدة التي يعمل فيها: الدنيا مليئة بالغرائب والعجائب، فالناس عندما يرونني صامتا يعتقدون بأنني جاهل.. فأجابه رئيسه: لكنك لو تكلمت فلن يكون لديهم شك في ذلك.

كثيرا ما أتذكر هذه الطرفة كلما شاهدت حوارا بين (صحافي) ومفكر كبير، حيث يبدو المشهد مثيرا للسخرية عندما نجد صحافيين يقعون في حيص بيص مع كتاب من العيار الثقيل، فنلاحظ البون الشاسع بين إمكانيات تواصل مقدمي البرامج الحوارية مع الزخم المعرفي المتدفق من عقول ضيوفهم ذلك الزخم الذي يتوقع مشاهده أن ثمة محاور سوف يقوم بتثويره وإثرائه عبر اصطياد اللمعات الفكرية وفتح المزيد من أغطيتها.

والواضح أن بعض الصحافيين لا يفرقون بين محاورة فنان أو فنانة وبين الاحتشاد المعرفي الواجب توافره للتجول في عقول المفكرين. بمعنى عدم التفرقة بين مجال يعتمد في أغلبه على أخبار الانترنت والحواديت المرمية في تلافيف الصحف المبعثرة هنا وهناك، وبين عالم يشترط الولوج إليه وتحريك قضاياه إلى النبش الدؤوب في تجلياته الفكرية ومصطلحاته العويصة.

والمشكلات التي تواجه هذه النوعية من الصحافيين كثيرة، منها أن الغرور وصل بهم إلى حد عدم الاستعانة بمعدين متخصصين في المتابعة العميقة للقضايا الفكرية الساخنة. لذلك نجدهم يتعثرون في استيعاب كثير من مقولات الضيف، فيقفزون بقدرة قادر إلى سؤال آخر قبل أن يستوفوا زبدة الأجوبة السابقة.

لأنهم جعلوا أنفسهم أسرى لعدد الأسئلة المزمع إلقاؤها على الضيف فنسمع (سمك ـ لبن ـ تمر هندي)، فهذا سؤال عن إشكالية فكرية يعقبه مباشرة سؤال عن مرابع الصبا، أيضاً من المشكلات التي تكشف هشاشة بعض الصحافيين أمام من يحاورونهم انهم لا يملكون ملكة استنباط أسئلة جديدة (غير مدونة) من الإجابات الثرية والخصبة لضيوفهم.

الأمر الذي يفوت على المضيف والمشاهدين فرصة الاطلاع على تفاصيل عقل المتحدث، كذلك من المبكيات المضحكات ان بعض صحافيي الفضائيات العربية يورطون أنفسهم في تهمة الإفلاس العقلي حين يطرحون أسئلة هزيلة ومهزومة مسبقا.

وهذا ما حدث، على سبيل المثال لا الحصر، مع المفكر الدكتور نصر حامد أبوزيد في لقاء له مع احد صحافيي الشاشة الفضية، عندما سأله الأخير: هل أنت مؤمن؟، ولا ادري ما هي الإجابة التي ينتظرها المذيع الهمام عن هكذا سؤال؟

وهو ما دعا صاحبي إلى القول: والله لو كان أبولهب بيننا الآن وسئل نفس السؤال لقال انه مؤمن. أيضاً عندما تحدث أبوزيد عن تجديد الخطاب الديني ظن الصحافي انه يقصد (خطبة الجمعة) فاضطر الضيف إلى إفهامه الفرق بين الخطبة والخطاب.

إن حالة الارتباك التي تواجه هؤلاء الصحافيين مردها ان جل ما يشغلهم هو الحرص اللاهث على ترصيع برامجهم بأسماء لامعة بغض النظر عن الجوهر المنتظر لهذه النوعية من اللقاءات.

وأخيراً ننصح هؤلاء الصحافيين لكي لا يقعون في هذه المواقف المحرجة أن يتذكروا القول القديم والأثير: تكلم حتى أراك، أو اشاهدك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات