اثار تقدم الاخوان المسلمين المصريين في الانتخابات التشريعية التي جرت نهاية العام الماضي مخاوف لدى قطاعات من المصريين الذين راحوا يعبرون عن مخاوفهم من نموذج الدولة التي يسعى الاخوان لتطبيقها.
وفي العراق، اثار الخلاف حول قانون الاحوال الشخصية جدلا مازالت فصوله تترى، فيما يرصد العراقيون مظاهر «اسلمة» فرضتها الاحزاب الشيعية في البصرة بقلق متزايد.
وفي البحرين التي تعيش اولى سنوات تجربتها الديمقراطية، راح البحرينيون يتابعون بقلق متزايد توجها معاديا للحريات الفردية تمثل في مجموعة من الاقتراحات التي تقدم بها النواب الاسلاميون في البرلمان.
لقد تفاوتت هذه الاقتراحات من المطالبة بانشاء هيئة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر الى مطالبات بفصل الجنسين في الجامعة واقتراحات بفصل الجنسين في المجمعات التجارية ايضا وصولا الى اقتراح باغلاق المحلات اجباريا اثناء صلاة الجمعة.
واذ استذكرنا الصراع المرير بين اسلاميي الكويت والحكومة حول حق المرأة في المشاركة السياسية على مدى عقد كامل، فإن التساؤل لا يصح حول توجهات الاسلاميين حيال الحريات فحسب، بل حول نمط المجتمع الذي يطمحون الى تأسيسه.
تكمن اهمية هذا السؤال عند ملاحظة ان معظم الاسلاميين في دول الخليج ومصر والاردن واليمن مثلا، يشاركون في حياة سياسية تقوم على التعددية والحياة الحزبية. وباستثناء مصر، فإن علاقة الاسلاميين بحكومات هذه الدول ظلت علاقة اقرب للتحالف في العقود الماضية.
إن هذه المشاركة ومساعي الاسلاميين في فرض نوع من الاسلمة على مظاهر الحياة في بلدانهم والغموض الذي يكتنف موقفهم من مسألة الحريات، تقود لا محالة الى مواجهة سؤال مؤجل لكنه جوهري يتعلق بمفهوم التعددية نفسه بل والتعريف الامثل للديمقراطية نفسها.
لطالما رأى الاسلاميون (بدرجات متفاوتة في المقارنة بين تياراتهم) في الديموقراطية فكرة غربية او انها غير مؤصلة. فهي تتراوح بالنسبة لهم ما بين اعتبارها «بدعة» حسب السلفيين الى اعتبارها «اهون الشرور» لدى غالبية التيارات الاخرى التي توصف بالاعتدال.
افضى هذا الفهم الى ان تطبع حركة الاسلاميين في ظل التعددية السياسية نفسها دوما بدافع اساسي هو «درء الشرور». فالمشاركة لا تعكس ايمانا بالديمقراطية وادواتها بقدر ما تعكس رغبة في المشاركة لدرء اية شرور يمكن ان تأتي بها ادوات الديمقراطية ووسائلها.
اي بعبارة اخرى الشرور التي يمكن تأتي بها صناديق الاقتراع، ان يصل الى المؤسسة التشريعية اناس مشكوك في ايمانهم، علمانيون او ليبراليون او غيرهم ممن لا يدخلون ضمن تعريف «المسلم الصالح».
التعريف الذي يحدد مواصفات محددة شكلية في الغالب للمسلم النموذجي: اللحية والثوب القصير واداء الفروض امام الناس.المشاركة بدافع «درء الشرور» لا تعكس ايمانا اقل بالديمقراطية فحسب بل انها ستفضي الى نوع من علاقة الحب والكراهية بين الاسلاميين والديمقراطية.
ليس هذا الا احد الاعراض لأن الاسلاميين وفي غمرة اندفاعهم للمشاركة في الحياة السياسية القائمة على التعددية، ينسون من بين ما ينسون قانون النمو نفسه. القانون الذي حكم تطور حركتهم وانتشارها ومكنهم من كسب الانصار والمؤيدين.
لقد تطورت الحركات الاسلامية في البلدان العربية في ظل كل ما يسعون تحت قباب البرلمانات وفي ظل حرية التعبير الى محاربته وتحريمه. لقد ازدهروا وتطوروا وكسبوا الانصار والمريدين والفنادق مفتوحة وقائمة.
نمت الحركات الاسلامية سواء في نشاطها الخيري والدعوي او في نشاطها السياسي في ظل اجواء تسامح اعطت الناس حرية التصرف في سلوكهم واختياراتهم وحرية المشاركة في حفلات غنائية ومسرحيات والاستمتاع بما تعرضه دور السينما. في ظل كل ما يسعون اليوم لتحريمه بقوة التشريع وباستخدام سلطة القسر التي تمتلكها الدولة.
اي ان المثابرة التي لم تكل في العقود الماضية التي اجتذبت الانصار عن طريق المواعظ والدروس والحلقات، تحولت الان الى صبر نافذ عندما يلجأ الاسلاميون لسلطة التشريع وقانون الاغلبية والاقلية لفرض مثالهم الاخلاقي على الناس.
الوصول للبرلمان باعتباره سلطة وتوسل وسائل الالزام في القانون عبر الاغلبية، يظهر علاقة الحب والكراهية بين الاسلاميين والديمقراطية بشكل شاخص.
لكن المؤسف ان احدا لا ينتبه الى المدى الضار الذي يمكن ان يمثله هذا المسعى في توسل وسائل الالزام عبر القانون عندما نجد انفسنا امام محاولات لاستنساخ تجارب اخرى اصبح اصحابها يحاولون التخلص من ميراثها الثقيل.
هنا يتعين التوقف قليلا لمناقشة مسألة جوهرية: كيف يمكن ان تزدهر الاخلاق في المجتمعات التعددية؟ بترسيخ الحرية (الفردية خصوصا) واحترامها ام بفرضها عبر القانون حتى لو تمت التضحية بالحريات الفردية؟. ما قيمة الحرية اذا؟ ما قيمة ان يتوجه الناس الى صناديق الاقتراع وهم لا يملكون حق اختيار ملابسهم؟.
ان هذا يطرح سؤالا اخر: هل يفضل الاسلاميون مواطنين يقتنعون طواعية وبجدل عقلي بمثالهم الاخلاقي ام انهم يريدون فرض المثال على الناس بقوة القانون؟.
هنا يبرز السؤال حول مفهومنا للتعددية التي نريد، وما يثير القلق والمخاوف هنا هو ان التصور الذي يعبر عنه الاسلاميون مازال يصر على اجتزاء الحريات، يكتفون بالحرية السياسية ويسقطون الحريات الفردية بدافع حماية الاخلاق.
مازال الاسلاميون لا يقدمون جوابا شافيا بل يوالون السير في طريق استنساخ نماذج وتجارب اخرى اثبت التاريخ فشلها. فالتاريخ لم يثبت حتى اليوم سوى فشل اي نموذج ايديولوجي او ديني تفرضه جماعة مختارة ترسم لنفسها اهدافا رسالية.
وسواء تعلق الامر بالاشتراكية او الفاشية او النازية، فان العبرة في الفشل لا تخص هذه التجارب وحدها فحسب بل هي قانون بشري. اما تجارب الدولة الاسلامية والاسلمة فليس لدينا سوى نماذج نتمنى على الاسلاميين دراستها جيدا: السعودية وايران. اما نموذج السودان فمن الممكن تلمس الجواب من الاب الروحي لهذا النموذج: الدكتور حسن الترابي.
كاتب بحريني