حرية التعبير، لافتة يتذرع بها الغرب عادة عندما يرفع سيف التشهير بالآخر، والإساءة المتعمدة لأصحاب الديانات والثقافات المغايرة،وهي اللافتة ذاتها التي تغلف احيانا بقفازات حريرية، لضرب معتقدات الشعوب في مقتل.

واذا ما ارتفعت الأصوات المستنكرة، كان الرد الببغائي: نحن نقدس حرية الرأي، وحدود النقد لا تقف عند سقف. لا يهم هنا ان يتحول النقد إلى استهزاء رخيص.

وتطول على الرموز الدينية التي يشكل أي مس بها جرحا لمشاعر ملايين الناس من البشر، إرضاء لخيال مريض، وأحقاد دفينة، تظهر في عمل فني أول خطاب سياسي، مرورا بالمقالات الصحافية والرسوم الكاريكاتورية.

وفي هذا السياق تأتي حملة التشهير في الغرب للإسلام، التي توحشت وزادت بشكل غير مسبوق منذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن، وبتنا لا نواجه الاهانات الشخصية في المطارات، أو أماكن تجمع المسلمين في المهجر الأوروبي او الأميركي باعتبار ان كل مسلم مشروع إرهابي ان لم يكن ارهابيا بالفعل وانما وصل الأمر إلى الاساءة لعقيدتنا الدينية ذاتها!.

وفي الاونة الأخيرة وصلت حملة التشهير بالمسلمين الى درجة الإساءة برسوم كاريكاتورية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في صحيفتين احداهما دنماركية والأخرى نرويجية، ما استدعى تدخل منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي .

ومطالبة بعض المؤسسات الدينية الإسلامية باعتذار علني من حكومتي هاتين الدولتين باعتبار ان ما جرى يتجاوز حرية التعبير، إلى خانة الاهانة والاستخفاف بمشاعر نحو مليارين من البشر.

وبعد الضغوط العربية والإسلامية أصدرت الحكومة الدنماركية بيانا استنكاراً لما نشر من اهانة بذيئة للمسلمين والرسول صلى الله عليه وسلم، وتوجه السفير الدنماركي في القاهرة للقاء شيخ الجامع الأزهر لتوضيح موقف حكومته من مثل هذه الأعمال المستهجنة، التي تتجاوز حرية التعبير، ولا تدخل في باب النقد.

وربما نتوقع خطوة مماثلة من الحكومة النرويجية، غير ان القضية ستظل مفتوحة، وربما نواجه اليوم او غدا، اهانات جديدة لمعتقداتنا الدينية، طالما ظلت النظرة السلبية قائمة في وسائل الإعلام الغربية، وبقينا نحن لا نتحرك الا عندما تقع الطامة الكبرى، ونكتفي ببايانات الشجب الخجولة التي تصدر عن هذه الحكومة الغربية او تلك، وكفى المؤمنين شر القتال، رغم ان المعركة لم تنته.

ولو أن الاهانة صدرت عن كاتب عربي لا نقول لرموز دينية غربية، وإنما إلى شخصية سياسية، لواجه صاحبها، لائحة طويلة عريضة من الاتهامات اقلها الإساءة إلى دولة صديقة، وتعريض مصالح البلاد للضرر !

ألم يكن أجدر ان يوجه الإعلام الغربي معاركه إلى القضايا الحقيقية التي تدخل في صلب حرية الرأي والتعبير؟ واين الصحيفة الدنماركية وشقيقتها النرويجية، من الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي كشف عنها قبل أيام تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، التي فضحت الأساليب الأميركية وازدواج المعايير في التعامل مع قضية حقوق الإنسان والديمقراطية؟

ألم تكن أوروبا التي تقع الدنمارك والنرويج ضمن حدودها مرتعا للسجون السرية والمعتقلات الطائرة لأجهزة الاستخبارات الأميركية، في انتهاك صريح لسيادة الدول والتعدي على الديمقراطية وحقوق الانسان؟ ام أن الامر لا يعني كثيراً طالما كانت الانتهاكات تمس أبناء العالم الإسلامي؟

نحن لا نريد الحجر على الاخرين في الأسلوب الذي يستخدمونه في التعبير عن وجهات نظرهم، لكن هناك خيط رفيع بين حرية التعبير والرأي واهانة مقدساتنا، والتطاول على معتقداتنا ورموزنا الدينية.