لا يمكن التعاطي مع الانتخابات الفلسطينية المقبلة (في 25 يناير) على أنها مجرد انتخابات للمجلس التشريعي، فهي أكبر من ذلك بكثير، إذ أنها بمثابة فرصة جديدة للفلسطينيين لإعادة صوغ نظامهم السياسي، وتجديد شرعيته، وإدخال الحيوية والفاعلية عليه، وأيضاً إثبات أهليتهم أمام العالم بشأن قدرتهم على إدارة أوضاعهم.
وبمعنى أكثر تحديداً فإن هذه الانتخابات هي الأولى من نوعها التي تجري في إطار من التعددية السياسية وفي إطار تكريسها. فمن المعروف أن الفصائل الفلسطينية المعارضة لم تشارك في انتخابات المجلس التشريعي الأول (1996).
حيث اقتصرت المشاركة، في حينها، على حركة فتح (حزب السلطة) والفصائل المتحالفة معها؛ أي من دون حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية.
وتكتسب هذه الانتخابات أهميتها أيضا، من أنها الأولى من نوعها التي تجري في غياب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، مع كل ما يمثله وما يرمز إليه في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
والثابت أن حركة فتح ستكون هذه المرة أمام امتحان إثبات وحدتها الداخلية، كما أمام امتحان تأكيد جدارتها في قيادة السلطة الفلسطينية، عبر صناديق الاقتراع، ومن دون الاستفادة من «الكاريزما» الشعبية التي كانت تحيط بقائدها ياسر عرفات، الذي احتل مكانة الزعامة للشعب الفلسطيني طوال ما يقارب العقود الأربعة الماضية.
وتأتي مشاركة حركة حماس في العملية الانتخابية، لتضفي، أيضا، نوعا من الحيوية والجدية السياسية عليها. فهذه أول انتخابات تقف فيها حركة فتح في مواجهة تحدٍ حقيقي، وعبر صناديق الاقتراع، في صراع مكشوف على أصوات الناخبين، لتأكيد مكانتها القيادية وترسيخ شرعية خياراتها السياسية، خصوصا إزاء الزخم الذي باتت تتمتع به حماس في الساحة الفلسطينية.
ولا شك هنا بأن مشاركة حركة حماس في الانتخابات المقبلة، وبغض النظر عن نتائجها، ستؤدّي إلى انخراطها بشكل أكبر في النظام السياسي الفلسطيني، بعد أن عملت من خارجه طيلة عقدين من الزمن.
وفوق كل ما تقدم فإن هذه الانتخابات هي جدّ مهمة، وتشكّل تحولاً نوعياً ايجابياً في النظام السياسي الفلسطيني، على الرغم من كل السلبيات والثغرات والعراقيل التي أحيطت بها، في البيئة الداخلية أو الخارجية، وذلك بالنظر لمجموعة معطيات، لعل أهمها:
1 ـ أن هذه الانتخابات ستمهّد لتحقيق نقلة نوعية في النظام السياسي الفلسطيني، من نظام «الكوتا»، أو نظام الزعيم، إلى النظام التمثيلي، الذي يحتكم إلى صناديق الاقتراع وأصوات الناخبين. وأهمية هذا النظام أنه سيعيد ترسيم الساحة الفلسطينية، عبر تعريف الفصائل الفاعلة فيها.
هكذا فإن الانتخابات المقبلة ستؤسّس لشرعيات جديدة، وستبطل مفعول شرعيات متآكلة ومستهلكة، استمرأت العيش على نظام «الكوتا» الفصائلي، الذي بات عبئا وقيدا على الساحة الفلسطينية، وعلى قواها الفاعلة، وعلى مسارات تطور النظام الفلسطيني. ولا شك أن صناديق الاقتراع ستكشف.
أوزان القوى السياسية الفلسطينية، وبالتالي فإنها ستضع حدا للجدل حول أحجام هذه القوى، في المجال الشعبي، وبالأخص فإنها ستقرر حصّتها من القرار الفلسطيني.
2 ـ أن الانتخابات القادمة هي أول تجربة من نوعها، يخوضها الفلسطينيون، وفق طريقة الانتخابات النسبية (ولو بنسبة النصف في هذه المرة). هكذا فإن الفلسطينيين، بتبني هذه الطريقة، يقطعون شوطا كبيرا باتجاه توليد نظام سياسي جديد، يكفل لكل القوى السياسية الفاعلة التمثّل في المجلس، بغضّ النظر عن أحجامها.
وكما قدمنا فإن هذا النظام الانتخابي سيكشف عن الأشكال السياسية الفاعلة، أو التي لها أسهم حقيقية في المجتمع الفلسطيني. إضافة إلى ذلك فإن الانتخابات النسبية، التي تجري على اعتبار الوطن (الضفة والقطاع) بمثابة دائرة انتخابية واحدة، من شأنها وضع الأسس اللازمة لتسييس طابع التصويت، بإخراجه من إطار الارتهان العشائري والجهوي، إلى الإطار السياسي الوطني.
3 ـ أن هذه الانتخابات ستبيّن، بكل جلاء، الاتجاه السياسي الذي يمحضه الشعب الفلسطيني ثقته، وستكشف عن الخيار الذي يفضله هذا الشعب، بعيدا عن المزايدات والتنافسات الفلسطينية الضيقة والآنية.
بمعنى أن القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية ستفرض على القوى الفلسطينية، مهما كانت توجهاتها، احترام خيارات الأغلبية الشعبية، أو على الأقل أخذها بعين الاعتبار، فما كان يصحّ قبل ذلك، بلغة العنف اللفظي أو الميداني، لن يكون مقبولاً بعده.
على أية حال فإن الواقع الحالي للساحة الفلسطينية لا يتيح مجالا واسعا للتفاؤل، بشأن الحسم في مجال تطوير النظام السياسي الفلسطيني، باتجاه تعزيز المشاركة السياسية والديمقراطية وسيادة القانون، وبما يخدم مصالح الشعب والقضية الوطنية، لأسباب عدة، أهمها:
1 ـ أن حركة فتح تخوض هذه الانتخابات وهي لم تستطع بعد لملمة أوضاعها، فهذه الحركة باتت تفتقد للمرجعية القيادية وللوحدة الداخلية (التنظيمية والسياسية)، على رغم كل ما يبذله الرئيس محمود عباس.
ولاشك أن وضع فتح هذا سينعكس سلباً عليها، كما سينعكس سلبا على إمكانيات ومسارات تطور النظام السياسي الفلسطيني، بحكم الموقع التاريخي والمكانة القيادية لهذه الحركة في إطار حركة التحرر والسلطة الفلسطينيين.
2 ـ أن حركة حماس لم تحسم بعد مسألة الانخراط في النظام السياسي الفلسطيني، والموافقة على قواعده (برنامج الإجماع الوطني والمشاركة في السلطة). فهذه الحركة مازالت تميز بين المشاركة في الانتخابات وبين المشاركة في السلطة، الأمر الذي يقيد ويعرقل من قدرة النظام الفلسطيني على الانتقال إلى مرحلة جديدة، أكثر نضجا وتطورا.
3 ـ أن ما يسمى بالفصائل الوطنية والديمقراطية الأخرى (الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزبي الشعب وفدا) مازالت عاجزة عن تقديم نفسها كطرفٍ ثالث، أو كبديلٍ وطني، بحكم تشتتّها، وأيضاً بحكم ضعف خطاباتها وبناها وأشكال عملها، الأمر الذي عكس نفسه بتراجع شعبيتها في إطار المجتمع الفلسطيني.
4 ـ أنه ثمة كتلة وازنة في المجتمع الفلسطيني (تقدر بنسبة 20 -30%) مازالت تجد نفسها خارج حسابات المعادلات السياسية القائمة، خصوصا لفقدانها الأمل بإمكان تحقيق نقلة لتطوير النظام الفلسطيني، بحكم سيادة نظام «الكوتا» والفساد السياسي والانفلات الأمني.
وهذه الكتلة لم تشارك في الانتخابات الرئاسية (التي جرت أواخر عام 2004)، ولا في الانتخابات البلدية التي جرت في العام الماضي. وعلى كل فإن الانتخابات التشريعية القادمة ستبين مدى قدرة هذه الكتلة على إيصال مرشحين لها إلى المجلس التشريعي مع وجود عدة قوائم لمرشحين مستقلين يعبرون عن هذه الكتلة.
5 ـ أن الاحتلال الإسرائيلي ذاته، الذي ما زال يسيطر تماما على حياة الفلسطينيين، يقيد كل مجالات التطور لديهم، وضمنها نظامهم السياسي. وبديهي أن أعمال القمع والحصار والاغتيالات والتضييق على الفلسطينيين.
من النواحي الأمنية والسياسية والاجتماعية والمعيشية، تساهم بشكل كبير في إعاقة مسارات تطور النظام الفلسطيني، لأن هذه الممارسات تحول أساسا دون قيام حياة سياسية سليمة للفلسطينيين، وتعوق من تواصلهم وتفاعلهم، وتعزز من قيم وعلاقات العنف لديهم، على حساب القيم والعلاقات الديمقراطية.
على أية حال فإن الأيام القليلة المقبلة ستثبت مدى قدرة الفلسطينيين على مواجهة تحدي الانتخابات، وخصوصاً تحدي إيجاد أفق حقيقي لتطوير نظامهم السياسي، على قاعدة المشاركة الشعبية والديمقراطية والتعددية، وبما يخدم إدارة أنجع وأفضل للعملية الوطنية الفلسطينية المتمثلة بإنهاء الاحتلال وبناء الكيان، وهو أفق طال انتظاره كثيرا، كما هو معروف.
كاتب فلسطيني