الرهانات الخاطئة إلى أين تقود لبنان؟ ـ جلال عارف

الرهانات الخاطئة إلى أين تقود لبنان؟

كأن البعض (بعض العرب) لا يريد أن يتعلم من درس العراق، وكأن البعض لا يكتفي بألا يتعلم، بل يتعمد أن يكون امتداداً لمشروع أميركي محكوم عليه بالفشل بدأ بتدمير العراق ويسعى لتعميم التجربة في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج!

في كارثة العراق كان غياب الدور العربي مأساة تم استغلالها لإنجاز الغزو أولاً، ثم لضرب عروبة العراق تمهيداً لتقسيمه طائفياً وعرقياً، ثم لتقديمه ـ بعد ذلك ـ كنموذج على موت العروبة كشرط للحرية والتقدم للشعوب بالمنطقة(!).

وكنقطة ارتكاز ضرورية لتنفيذ المشروع الأميركي لإقامة الشرق الأوسط الكبير الذي يستهدف ـ قبل كل شيء ـ ضرب عروبة الأمة وإعادة رسم خريطة المنطقة على أساس تفتيت الدول العربية القائمة إلى كيانات أصغر تترك قيادها للقوى الإقليمية غير العربية وأولها إسرائيل لتكون الأدوات الأساسية لتحقيق الهيمنة الأميركية على المنطقة.

الضعف والانقسام منعا النظام العربي من لعب أي دور إيجابي في منع الغزو وإنقاذ العراق، ولكن السياسة الأميركية مضت بعد ذلك إلى ما هو أبعد.. ليس فقط بتحويل العراق إلى ساحة للصراع المذهبي واستقطاب قوى الإرهاب التي تتمسح بالإسلام إلى دولة كانت بعيدة عن ذلك.

وإنما بمحاولة زرع الكراهية بين شعب العراق ومحيطه العربي مستغلة في ذلك رغبة الأكراد في تأكيد ذاتهم واستقلالهم، وعلاقة بعض القوى الشيعية بطهران ومشروعها لإنشاء كيان شيعي في الجنوب يرتبط بإيران ويكون امتداداً لها.

وكان يعزز هذا الاتجاه رؤية آمنت بها القوى اليمينية في الإدارة الأميركية بتأثير بعض عملائها العراقيين الذين زرعوا فكرة إمكانية التحالف بين أميركا والشيعة لمقاومة ما أسموه بـ «الإرهاب السني»!!

لكن الفشل الكامل للمخططات الأميركية في العراق، وتصاعد المعارضة داخل الولايات المتحدة الأميركية لسياسة بوش ونتائجها الكارثية، والمطالبة بالانسحاب بعد أن أصبح شبح فيتنام الثانية حقيقة واقعة.. كل ذلك أجبر الإدارة الأميركية على مراجعة الموقف بحثاً عن مخرج، وفي ظل هذه المراجعة كان السماح بدور عربي في العراق، وربما المطالبة به لإنقاذ الموقف.

وفي هذا الإطار جرت جهود الجامعة العربية بدعم أطراف رئيسية من أعضائها لتحقيق المصالحة الوطنية. ومنع تدهور الموقف إلى حرب أهلية توافرت لها كل الإمكانيات بفضل السياسة الأميركية وأخطائها الكارثية.

ورغم أن الشكوك مازالت تحيط بانعقاد مؤتمر المصالحة بين الأطراف العراقية بفعل تداعيات الانتخابات الأخيرة وما حدث فيها من تجاوزات، إلا أن ضغوط الأحداث داخل العراق وتطورات الأزمة مع إيران وسوريا تفرض على الإدارة الأميركية أن تبحث عن تعاون عربي يتيح لها فرصة البدء في تقليص قواتها في العراق ولو بمعاونة قوات عربية.

وهو ما ترفض الدول العربية ـ حتى الآن ـ القيام به إلا في إطار حكومة عراقية منتخبة وبرنامج شامل للانسحاب الأميركي كما أعلن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى!

وبغض النظر عما سيتم في هذا الإطار، وهل ستفرض واشنطن رؤيتها التي تريد تخفيف العبء عن قواتها في العراق مع استمرار الهيمنة عليه، أو تنجح الدول العربية في استغلال الموقف لمصلحة الشعب العراقي ووحدته واستقلاله، فإن الدرس العراقي الأليم علم الجميع أنهم جميعاً في دائرة الخطر، وأن مخططات لشرق أوسط جديد لن تتوقف عند حدود العراق، ولن ترضى إلا بتغيير كامل لخريطة المنطقة.

ومن هنا كان التحرك العربي في مواجهة الأزمة في سوريا و لبنان، والذي تلعب فيه مصر والسعودية دوراً بارزاً سواء في البحث عن مخرج لموقف دمشق في مواجهة الضغوط الدولية، أو لتسوية الأوضاع بين سوريا ولبنان، أو لإنقاذ الوضع المتدهور داخل لبنان نفسها.

والمهمة صعبة، والأوضاع بالغة التعقيد، ولكن أكثر ما يثير المخاوف هو هذا النزق السياسي الذي تتعامل به بعض الأطراف في لبنان مع الأزمة، وردود فعلها حول الجهود العربية المبذولة.. فبينما رفض البعض كل جهد عربي، اكتفى البعض بوضع العراقيل التي تؤدي إلى الغرض نفسه.

وهكذا تم إفشال الاتفاق حول الأزمة الوزارية والذي كان قد وافق عليه رئيس الوزراء اللبناني نفسه، وهكذا أيضا تم وأد تحرك أمين الجامعة العربية عمرو موسى بدعم مصري سعودي، ثم رفض المقدمات الأخيرة لتسوية الوضع اللبناني ـ السوري وسط اتهامات بانحياز عربي لدمشق!!

ويترافق هذا الإفشال المتعمد لكل الجهود العربية للبحث عن مخرج من الأزمة، بإشعال متعمد للموقف على كل الجبهات. ولا شك أن حالة التوتر التي تسيطر على الجميع تتيح المجال للكثير من الانفلات.

ولكن أن يصل الأمر للاعب أساسي في السياسة اللبنانية مثل وليد جنبلاط إلى طلب الغزو الأميركي لسوريا مثلما فعلت في العراق.. فهذه كارثة، لكن الكارثة الأكبر هي تجاوز كل الخطوط الحمراء في العلاقة بين حزب الله وحركة أمل من جانب ومن جنبلاط من جانب آخر.

وتبادل الاتهامات بالغدر والخيانة، وتعمد التصعيد من جانب جنبلاط بما يثير التساؤل حول الرؤية التي تحكم هذه المواقف والتي تقود لبنان إلى حافة الانفجار.

بالطبع.. إذا كان جنبلاط مع استدعاء التدخل الأميركي لضرب سوريا كما غزت العراق، فإن الرهان في الوضع اللبناني هو الرهان نفسه.. أي على التدخل الأميركي ـ الفرنسي، ولكن بأي ثمن، وإلى أي مصير للبنان؟

إن لبنان هو الطرف الأضعف في هذه اللعبة الكبيرة، وهو في النهاية لن يكون إلا ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية أكبر منه بكثير. وجنبلاط أول من يعلم أنه بدون التوافق بين الأطراف الرئيسية في لبنان فالكارثة قادمة.

وقد تبدي أميركا ارتياحها لكل تصعيد في المواقف ضد حزب الله وضد سوريا، ولكن هل سيساعد ذلك في تحقيق مصلحة لبنان وتوحيد صفوفه ودعم موقفه في مواجهة التحديات، أم أنه سيكون أول ضحايا السياسة الأميركية المعادية لكل مصلحة عربية؟

لبنان في دائرة الخطر بأكبر مما يتصور الكثيرون، يواجه الموقف برئيس مختلف عليه، وحكومة معطلة، وميليشيات تستعد للأسوأ، وجهود حثيثه تدفع إلى صدام طائفي يراد له هذه المرة أن يكون أساساً بين السنة والشيعة، ومقاومة وطنية توصف ممن كانوا أخلص حلفائها بالعمالة.

وتناقضات تكشف عن عمق الأزمة ومبعوثون أميركيون وغير أميركيين يطمئنون الأنصار حتى لا يتفرقوا، وأوضاع تسمح لوزير خارجية بريطانيا أن يقف في وسط بيروت ليتحدث عن شارون باعتباره بطلاً للسلام ويتمني له الشفاء ليستكمل مسيرته، دون أن يذكره أحد بما فعله في بيروت.

أو يسأله لماذا نصحه الوزير البريطاني نفسه قبل ذلك بعدم القيام بزيارة مقررة لبريطانيا خوفاً من القبض عليه ومحاكمته كمجرم حرب بسبب ما اقترفه من جرائم ربما أبشعها ما حدث في لبنان نفسه؟

لبنان في دائرة الخطر بأكثر مما يتصور الكثيرون، وربما يكون البعض لم يستوعب درس العراق، وربما تستمر محاولات التصعيد من أطراف كثيرة، ولكن الجهود العربية لا ينبغي أن تتوقف لتطويق الموقف.

. فاللعبة أكبر من صراع ميليشيات جربتها لبنان لسنوات طويلة، والآثار المدمرة لما يحدث لن ينجو منها أحد... هكذا ينبغي أن يكون الدرس من العراق حتى إذا طالب جنبلاط بتكراره مع دمشق!!

نقيب الصحافيين المصريين

طباعة Email
تعليقات

تعليقات