في وقت يتجه فيه العالم «مخطوفاً» من إنسانيته نحو استقطاب مفروض عليه بين محوري «الخير» و«الشر» كما يريد له دعاة العولمة المتوحشة والإرهاب والعنف الأعمى، تجري على أرض الواقع تحركات ونشاطات عالمية إنسانية تبدو متفرقة وغير متسقة أو متناثرة لكنها تعبِّر بالتأكيد عن حاجة ملحة وشعور متنامٍ لدى بني البشر بضرورة التعبير عن ذواتهم وخصوصياتهم الإنسانية كما هي، لا كما يريد لها طلاب الحروب وصنّاع معادلات الهيمنة والغلبة العسكرية.

وقد يكون المنتدى الذي دعينا إليه واحداً من هذه النشاطات الباحثة عن هوية مستقلة عن ذلك الاستقطاب المعولم المشؤوم أو هذا ما نبتغي إليه ونتمناه.

وفي هذا السياق، تعيش بلادنا الإسلامية بشكل عام والعربية منها على الأخص مرحلة سيالة تشدها تيارات متضاربة تحد من نشاط وفعالية مكوناتها الثقافية المتعددة أصلاً لهذا الاتجاه أو ذاك من شعور الانتماء العالمي.

فعلى الرغم من عمق الجذور التي ننتمي إليها من حيث الدائرة الحضارية أو القيم الدينية التوحيدية التي ننتمي إليها نحن المسلمين والشرقيين عموماً ومفاخرتنا الدائمة «بالهوية» الموحدة للأمة التي ننتمي إليها والتي جمعت فيما بين شعوبنا وأقوامنا ومللنا لقرون خلت إلا أنه لا ينبغي لنا أن ننكر حدوث تصدعات وتشققات مهمة في صورة تلك «الهوية» الواحدة التي يفترض أننا ننتمي إليها.

إنها لا شك حالة سيالة قلقة نعتقد أنها باتت تطرح تساؤلاً مشروعاً يمس بشكل مباشر «هويتنا» المشتركة بشكل عام كما يمس هوية كل قوم أو ملّة من أقوامنا أو مللنا بشكل خاص عنوانه: من نحن؟ يقابله تساؤل مشروع آخر لا يقل أهمية عن التساؤل الأول ألا وهو: من هو ذلك «الآخر» الذي يقابلنا على الضفة الأخرى؟ والمطلوب منّا أن نتعايش معه.

سأحاول هنا عرض الصورة على عجالة لأطرح عليك ايها القارئ مجموعة تساؤلات وأفكار يعيشها زميل لك هو من صنفك ومن يدري لعله هو أنت بالذات، لعلي أتكلم باسمك.

ولعلي اختلف معك واقف على ضفة أخرى غير الضفة التي تقف عليها أنت لكنها بالتأكيد جزء لا يتجزأ من همومك واهتماماتك التي تعيشها أنت لكنها بالتأكيد جزء لا يتجزأ من همومك واهتماماتك التي تعيشها أنت وانا في ظل حركة النهر الجارف الذي يتقدم الينا بسرعة البرق سواء باسم ضرورات الاصلاح أو باسم ضرورات العولمة.

وهي مواضيع انقسمت شعوبنا ولا تزال حولها فمنهم من يعتبرها قدرنا الذي لابد منه فيما آخرون يقولون عنها بأنها «كذبة» العصر الكبرى التي تستهدف احياء الاستعمار القديم بحلة جديدة.

صباح كل يوم ينهض مئات الملايين من المسلمين عربا كانوا أم إيرانيين أم أتراكاً أم باكستانيين أم ماليزيين أم اندونيسيين ومثلهم من الهنود والصينيين والافارقة وأميركا اللاتينية، وبدرجة أقل ربما من أوروبا وأميركا وهم يسألون أنفسهم في أي عصر أو عالم هم يعيشون؟!

في عصر اندلاع صراع الثقافات والحضارات التي تتوج نهاية التاريخ؟! أم في عصر حوار الثقافات والأديان والحضارات؟! أم هم بين هذا وذاك كما الوصف القرآني: لا يموت فيها ولا يحيى؟!

والمسلمون من سكان المعمورة بشكل اخص يسألون بعمق أكثر وحرص أكثر ومعاناة أكثر وحزن أكثر وألم أكثر: من نحن؟! والى أي ملة أو نحلة ننتمي؟! وهل نحن مسلمون حقا وكما نحب ان نكون؟!

الحداثة وما بعدها تجتاحنا كما تجتاح شعوبا وأمما هي الأخرى ملكت ناصية الحضارة والمدنية من قبلنا أو بعدنا ونالت نصيبها من التأثر أو التأثير بالآخر وفيه، فهل نحن مدركون حقا ماذا يعني ذلك بالنسبة لنا وما هي تداعيات مثل ذلك على التعريف «بهويتنا» أو «هوياتنا»؟!

وبالتالي ما هو شكل الحياة الذي علينا ان نحياها؟ ثم أليست هذه «النحن» أجيالا متفاوتة وربما متباعدة إلى درجة القطيعة والانفصال؟! ثم ألم تصبح هذه النحن مدارس فكرية متعددة ومتنوعة تكاد تتباعد مسافاتها لتصبح «هويات» عدة بعد ان كانت هذه النحن «أمة» واحدة «وهوية» واحدة؟!

ثم ألم يحولنا طوفان الغلبة القادم من وراء البحار إلى «أمم» تكاد تكون على الهامش، هامش الجغرافيا السياسية كما هامش العمارة والفنون كما الفلسفة، لا بل حتى هامش علم الكلام والحديث وعلم الرجال والأنساب؟!

حتى باتت هذه الأمم مجتمعة لعاجزة عن تحقيق كتاب واحد حتى في مجال العلوم الأخيرة دون أن تستعين بالإجبار بالمستشرقين أو «المتنورين» والمنبهرين بعوالم الحداثة وما بعدها.ثم أليست المشكلة الأكبر هي أننا بتنا وإياهم في مركب واحد، فإما أن ننجو سوياً أو نغرق جميعاً. فيما دورنا في هذا المركب غير معروف وغير محدد حتى أصبحنا هامشيين حتى في تقرير مصائرنا.

أسماؤنا يكتبها لنا الآخرون «عولميين» كانوا أم مستعمرين جدداً، وكذلك «خرائط الطريق» بالانجليزية مرة والعبرية أحياناً لكن بلغات لاتينية غربية دوماً. وياليتهم يعرفون فعلاً أو مستعدون لتعلم كتابة أسماءنا.

«يظنون» انهم يسلكون الطريق الأنجع لنا وما أظنهم فاعلين. بل انهم يقودون مركب البشرية باتجاه الفوضى ومزيد من الحيرة والضياع في أغلب الظن فيما نحن أشبه ما نكون في الصورة بالمرايا المتكسرة في قصر الإمبراطورية المعولمة الجديدة.

وفي المبنى والمضمون أشبه بالهويات الحائرة التي تبحث عن تعريف وشخصية مستقلة لها في ذلك المركب المضطرب صاحب الربان الطائش. أسئلة بل تساؤلات حيرى تعيشها شعوبنا و«أمتنا» الإسلامية بكل شدة وعمق وألم ومعاناة تبحث عن إجابات تشفي الغليل في أروقة ضاع فيها سلطان العقل عن بلادنا كما عن بلاد قوم آخرين.

فهل نحن لا نزال مسلمين حقاً ونعيش في ظل حضارة إسلامية مجيدة كما نتغنى بها صباح مساء؟! ثم عن أي إسلام نتحدث؟! ومن هو هذا الآخر الذي نتحدث عنه سواء عند الحديث عن ضرورة مجابهته أو التعايش أو الحوار معه؟!

لابد لنا أن نعترف ونذعن ونقر بأننا لم نعد نحن نحن كما كنا ذات يوم. ولا كما أرادنا الإسلام أن نكون بعد مرور نحو 15 قرناً عليه، ولا كما سمع عنا العالم يوماً. ولا كما قرأنا نحن عن أولئك المسلمين الأوائل.

أمين منتدى الحوار العربي الإيراني