أخيراً أعلنت النتائج النهائية للانتخابات العراقية. باب الطعون مفتوح لمدة يومين؛ والتصديق الرسمي على الأرقام متوقع في غضون أسبوعين. وبذلك تكون قد انطوت، عملياً، صفحة هذا الاستحقاق وبدأ الوضع العراقي انتقاله إلى مرحلة الاستحقاق الحكومي.

وهي مرحلة من المرجح، حسب معظم التقديرات، أن يطول أمدها؛ فيما ترى أخرى أن هناك اعتبارات وحسابات تفرض التعجيل بتشكيل الحكومة الجديدة. في أية حال يبقى الموعد، على أهميته، مسألة وقت؛ طال أم قصر فهو آت.

الأهم هو: أية حكومة، ذلك أنه على التركيبة القادمة ستتوقف أمور كثيرة، أمنية وسياسية ووطنية. باختصار، على هذه التركيبة تتوقف عملية إعادة تركيب البلد حتى تحت الاحتلال؛ واسترجاع لحمته. أو بالأحرى استبدال لحمته القديمة الهشة بأخرى متينة قادرة على الصمود بوجه التجارب والتحديات.

في هذا الصدد، ثمة ما يدعو إلى التفاؤل. ولو بحذر. ذلك أن الانتخابات جاءت بمعادلة تفرض تشكيلة حكومية متنوعة وإلى حد بعيد متوازنة؛ يستبعد معها حكومة ترجح فيها كفة هذا الفريق أو ذاك، بصورة طاغية تؤدي إلى الاستئثار بالقرار وبالتالي إلى توسيع شقة الخلافات والحساسيات.

فالأرقام، إذا بقيت على حالها، لا تعطي لأحد الأغلبية المطلقة. كما لا تعطي لأي فريقين مجتمعين أكثرية الثلثين المطلوبة، دستورياً، ـ 184 صوتاً في المجلس الوطني ـ للإنفراد بتأليف حكومة. وبالتالي فإن أية معادلة لابد وأن تقوم على التحالف الأعرض واستطراداً على تقديم تنازلات متبادلة.

وفي هذا الظرف بالذات ـ بما هو حالة انتقالية دقيقة في سرعة عطبها ـ ليس هناك ما هو أفضل للوضع العراقي. ذلك أنه السبيل الوحيد الذي يضمن توسيع المشاركة من جهة وخفض سقف الشروط والشروط المضادة؛ من جهة أخرى. الأمر الذي يشكل بوابة الدخول إلى حقل التوافق؛ الذي مهما كان محشواً بالألغام في البداية، فلابد له من أن يتصلب عوده مع الوقت وتراكمات التجربة والممارسة.

وما يعزز هذا الاحتمال بأن تأخذ الأمور هذه الوجهة لتنتهي عند هكذا تسوية؛ ان نبرة الاعتراضات على نتائج الانتخابات قد سجّلت انخفاضاً؛ في الأيام القليلة الماضية.

فعلى الرغم من أن الأطراف المختلفة قد أعربت عن عدم رضاها على الحصيلة المعلنة وعن نيتها برفع ما تراه تظلماً وقع بحقها، إلِى الجهات المعنية؛ إلا أن أحداً لم يطالب بشطب الانتخابات.

ولو جزئياً؛ أو بإعلان انسحابه منها لو بقيت على حالها. مما يشي باستعداد للقبول بما يفضي إليه البث بالطعون. وفي ذلك مؤشر ليس فقط على ليونة ضرورية، بل أيضاً على قابلية لركوب قطار الحكومة الجديدة قبل أن يغادر المحطة.

ليس هناك وهم بأن العملية الحكومية القادمة، سهلة أو ميسورة كما هو مرغوب. الطريق شائكة لأن شروط المساومات ستكون قاسية لكن الجميع محكوم بقاعدة الأخذ والعطاء. ومن هنا بداية الطريق لوضع المدماك الأول في بناء الوحدة الوطنية التي لا خلاص إلا بها وفيها. هذا إذا صفت النوايا، وحسبنا، بل أملنا بأن التجربة المكلفة والباهظة علمتها بأن تكون صافية، إذ لا خيار آخر.