بديهيات غائبة

بديهيات غائبة

على مدى سنوات عديدة تولّد لدي ظن يكاد يصل بي إلى حد الاعتقاد بأن معظم ما يواجهه العالم من مشكلات،بل إن معظم ما تعانيه المجتمعات الصغيرة من معضلات إنما هو نتيجة مباشرة لغياب البديهيات، وأن الحل لمعظم هذه المشكلات إنما يكمن في العودة إلى البديهيات، والبديهية أو البدهية كما يصر البعض على نطقها هي الحقيقة المنطقية الواضحة في الأذهان والناتجة عن التجربة الإنسانية العملية. أو هي الحقيقة العلمية الثابتة الناتجة عن التجارب الإنسانية المعرفية، إلى حد أنها لم تعد بحاجة إلى إثبات، بل إنها كخبرة معرفية معمّمة ومجرّبة أصبحت حجة إثبات بذاتها وغيرها من الحجج يصبح هو الذي بحاجة إلى إثبات. يذكرني هذا بقول الشاعر العربي:

وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل ولكل ميدان من ميادين الحياة بديهياته، فهناك البديهيات الإنسانية العامة الأخلاقية والثقافية والسياسية والاقتصادية وحتى العلمية، كما ان لكل أمة من الأمم بديهياتها الخاصة المتصلة بعقائدها وثقافتها وتراثها وأعرافها وتقاليدها الاجتماعية التي تمثل لها دليلاً محفوظاً عبر الأجيال لاتجاهات الخطأ والصواب وتملك به معيار الحكم على الأقوال والأفعال والرجال سواء بالاستحسان أو بالاستهجان.

كما تملك بهذه البديهيات الإنسانية البسيطة مركزاً معرفياً ثرياً لمعايير القبح ومعايير الجمال وتحديد الاتجاه واتخاذ القرار عند مواجهة أي من القضايا أو المشكلات. ووصف هذه البديهيات بالبساطة لا يعني بالتأكيد أنها تتسم بالسطحية أو بالسذاجة، وإنما سميت الحقيقة بالبديهية لأنها في الوقت الذي بلغت فيه من العمق حد التعقيد في استخلاص الجوهر بلغت في صياغة هذا الاستخلاص حد الإعجاز في البساطة!

وربما كانت هذه البساطة في حد ذاتها سبيلاً لأن يعرفها الأمي والمتعلم، ويستوعبها المتعلم والمثقف، ويسهل حفظها على ضعيف الذاكرة وقوي الذاكرة ويسهل تواترها وتواصل تأثيرها عبر الأجيال.

لقد تداخلت البديهيات بالحقائق كما تداخلت بالحكمة حتى أصبحت صدى لسلامة الفطرة ودليلاً على عمق التجربة وانعكاساً لسلامة العقل، فعندما تقول أولى البديهيات الغائبة «النار لا تطفئ النار. الماء يطفئ النار»، فإنها تمثل دعوة للسلام ناتجة عن حقيقة علمية وتجربة عملية تصح في الشرق كما تصح في الغرب وتثبت في الشمال كما تثبت في الجنوب، مشيرة إلى ضرورة الوعي بأن نيران الحروب التي يشعلها غياب العدالة أو غطرسة القوة لا يطفئها المزيد من الحروب وإنما المزيد من إشاعة مبادئ العدالة وتوفير أسباب القوة لمنع الحروب وفرض السلام.

وعندما تقول البديهية الغائبة: «الاتحاد قوة والتفرق ضعف».. فهذه حقيقة لا تحتاج إلى إثبات وهي دعوة للعرب والمسلمين ان يتوحدوا ليمكنهم حل مشاكلهم الأمنية والسياسية والاقتصادية فمن غير البديهي أن يتجه الأقوياء في هذا العالم إلى التوحد والتكتل بينما وهم الأكثر وحدة من كل المتحدين يقبلون السير عكس التيار ويزدادون فرقة ليزدادوا ضعفاً..!

بينما الشاعر العربي يذكرهم بهذه البديهية قائلاً:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً

وإذا افترقن تكسرت أحادا.

وعندما تقول البديهية الغائبة «فاقد الشيء لا يعطيه» فإنها تشير إصبع الاتهام لكل الذين يتخذون لأنفسهم مقاعد المعلمين لغيرهم قبل أن يعلموا أنفسهم، ويقولون للغير شيئاً لا يقولونه لأنفسهم، ويطالبون غيرهم بتطبيق شيء لا يطبقونه على أنفسهم! وهنا نتذكر قول الشاعر العربي:

خرج الثعلب يوما في ثياب الواعظينا

ومشى في الأرض يهدي ويسب الماكرينا

هذه البدهية بالذات ومغزى هذه الأبيات يقودنا للإطلال على أكثر من مثال في أكثر من مكان في عالمنا وفي أكثر من قضية في منطقتنا ليشير على الثعلب المكار الذي يهاجم المكر ويدعو الناس إلى البراءة!

فعندما تقوم الدول الكبرى المالكة بالفعل للأسلحة النووية الفتاكة والتي تشكل بها تهديداً يمكنها من فرض إرادتها وهيمنتها على الآخرين بمطالبة بقية الدول الصغرى في العالم إلى عدم امتلاك مثل هذه الأسلحة للدفاع عن نفسها ولحماية إرادتها من هيمنة الكبار أو للشعور بالأمن في مواجهة التهديد فذلك بحجة الحفاظ على السلام العالمي.

أوليس ذلك مدعاة للدهشة من هذا المنطق الفارغ المضمون؟ أفلا يكون من الأولى بهذه الدول إذا كانت حقاً ترى أن امتلاك السلاح النووي خطر على أمن العالم أن تبادر هي أولاً إلى تفكيك ترساناتها النووية؟ حتى لا تفقد منطقها وهي تطلب ذلك من الآخرين لأن من لا يملك الحرص على السلام لا يملك أن يطالب الآخرين به، ذلك لأن فاقد الشيء لا يملك أن يعطيه.

ليس ذلك فقط، بل أيضاً تتخذ هذه الدول الكبرى من مجرد شكوكها التي لا تقوم على أساس واقعي سبباً لمحاولة منع الدول النامية الموقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية من امتلاك برامج نووية للأغراض السلمية بالمخالفة لنصوص هذه الاتفاقية ذاتها والتي تسمح للدول الموقعة بامتلاك برامج نووية سلمية بإشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية، بينما تغمض عينيها عن دول مثل إسرائيل التي تحتل أراضي الغير بالقوة خلافاً للقرارات الدولية وتمارس العدوان عليه يومياً قتلاً وتشريداً في ظل صمت الكبار المريب، وتملك وحدها بالفعل سلاحاً نووياً تهدد به منطقة الشرق الأوسط بأكملها وتلوّح به لاغتصاب مزيد من الأرض ومحاولة فرض الأمر الواقع القائم على العدوان!

فهل يبقى لمثل هؤلاء الواعظين الفاقدين للمنطق أي منطق؟ وهل يمكن لمن يفقد المنطق أن يملك فرض المنطق على الآخرين؟

وفي مواجهة ذلك كان الرد المصري الرسمي يملك كل المنطق وهو يعلن بوضوح في أعقاب طلب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني من الرئيس حسني مبارك تأييد مصر للموقف الغربي الضاغط على إيران لوقف برنامجها النووي: «إن مصر والعرب مع عالمية نزع السلاح النووي، مؤكدة في شجاعة أنها لا يمكن لها أن تتخذ موقفاً ضد البرنامج النووي السلمي الإيراني ما لم تتخذ الوكالة الدولية موقفاً مماثلاً ضد البرنامج العسكري النووي الإسرائيلي، لأن الموقف المصري الذي هو جزء من الموقف العربي يقوم على ضرورة إخلاء الشرق الأوسط كله من السلاح النووي وليس التصدي لطرف والتغاضي عن طرف».

والأكثر مدعاة لرفض وعظ الواعظين أن إسرائيل تلك لم توقع حتى الآن على معاهدة حظر الانتشار النووي! مثل هذا الموقف الواعي والواضح عبّرت به السياسة السعودية عن العرب جميعاً على لسان وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل في العاصمة الريطانية حين حملت مسؤولية أزمة الملف النووي الإيراني وأي سباق نووي في الشرق الأوسط مستقبلاً للدول الكبرى وللولايات المتحدة بسبب تغاضيها أولاً عن السلاح النووي الإسرائيلي، والذي يشكل تهديداً حقيقياً لأمن الدول العربية والإسلامية في هذه المنطقة، مطالباً إيران بتأكيد سلمية برنامجها النووي.

منطق القوة الفاقد لأي منطق موضوعي عادل لا يملك أن يفرض منطقه على الآخرين اتساقاً مع بديهية بسيطة تقول «فاقد الشيء لا يعطيه».

وتبقى بديهيات كثيرة بحاجة للوقوف عندها.. فالبديهيات الغائبة من حولنا لم تفرغ بعد.

كاتب مصري

Mamdoh77t@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات