حينما يتعلق الأمر بأمن إسرائيل فإن الطبقات الحاكمة في الغرب تتناسى تناقضاتها الثانوية لتسارع إلى تكوين جبهة موحدة، وقد آن الأوان لتشكيل جبهة مضادة من دول العالم الثالث.
على خلفية الحملة الغربية المتصاعدة ضد كل من سوريا وإيران جاء في الأخبار أن دمشق وطهران تتشاوران بشأن إقامة حلف استراتيجي بينهما. ورغم أن الخبر يبعث على تفاؤل فإن المحدودية الثنائية لهذا الحلف غير كافية لمواجهة الجبهة الغربية.
ولكن لماذا لا تفكر هاتان الدولتان في تكوين جبهة عالمثالثية عريضة وواسعة؟ وربما تكون خير بداية لاختبار هذه الفكرة مقدماً هي إجراء «دراسة جدوى» ميدانية.
ما لا يحتاج إلى دراسة جدوى حقيقة أن المنظمات الإقليمية المتنوعة في العالم الثالث انتهت جميعاً إلى فشل شامل ابتداء من الجامعة العربية وليس انتهاء بمنظمة الدول الأميركية (أميركا اللاتينية) ومروراً بالاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
ولكن مع ذلك فإن إعادة قراءة تاريخ بعض هذه المنظمات قد تقود إلى استخلاص موعظة. فخلال ستينات القرن الماضي استطاعت الجامعة العربية أن تثبت لنفسها وجوداً (لاءات قمة الخرطوم) بينما اتخذت منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الإفريقي الآن) نهجاً راديكالياً تجاه القوتين الاستعماريتين آنذاك بريطانيا وفرنسا. حتى حركة عدم الانحياز كان الغرب يحسب لها حساباً.
ذلك كان عهد الزعامات الوطنية ذات الرؤية والإرادة: جمال عبد الناصر وكوامي نكروما وأحمد سيكوتوري وجواهر لال نهرو وأحمد سوكارنو وفيديل كاسترو.
ولكن رغم غياب نماذج مثل هذه الزعامات فإن الوضع في العالم الثالث ليس ميؤوساً منه تماماً، ومن هنا تأتي ضرورة دراسة الجدوى الميدانية.
ستكشف لنا دراسة الجدوى أنه في غياب فاعلية المنظمات الإقليمية فإن جبهة الغرب تستفرد بكل دولة مستضعفة على حدة، لكن من ناحية أخرى سنكتشف أيضاً أن عدد الدول المتمردة على الغرب في حالة ازدياد، بدرجات متفاوتة من التمرد، وفي مواجهة تحديات متنوعة.
سوريا تواجه حصاراً سياسياً يستهدف استئصالها من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وإيران تواجه حرباً سياسية تستهدف برنامجها النووي، والسودان يواجه تحرشاً أميركياً من خلال مجلس الأمن الدولي يستهدف إلغاء هويته العربية.
وعلى ذلك قس حالات التمرد: في آسيا تدافع الهند عن استقلالية نهجها في التعامل مع الغرب، وفي إفريقيا تنزع زيمبابوي الأراضي من الأقلية البيضاء المستوطنة بتأييد من جمهورية جنوب إفريقيا، وفي أميركا اللاتينية يتعاظم المد اليساري الاشتراكي للتحرر من اقتصاد السوق وآثامه.
من كوبا انتقل المد إلى فنزويلا وبوليفيا، وآخر الأخبار تفيد بفوز السيدة ميشيل باشليه ـ ذات التوجه الاشتراكي ـ في الانتخابات الرئاسية في تشيلي.
والسؤال الذي ينبغي أن تنظر فيه دمشق وطهران هو: ألا يكفي هذا العدد من الدول المتمردة لتكوين نواة صلبة لجبهة عالمثالثية موحدة ضد الجبهة الغربية لوضع نهاية لعهد الاستفراد الغربي بكل دولة على حدة؟
ألا تستحق هذه المسألة دراسة جدوى؟