تسلم القاضي البلجيكي سيرج برامرتز أمس مهامه كرئيس للجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الشهيد رفيق الحريري خلفاً للقاضي الألماني ديتليف ميليس في وقت لم تحل بعد الأزمة الحكومية في لبنان التي اندلعت على خلفية تصويت الأغلبية في مجلس الوزراء على قرار مطالبة مجلس الأمن بتشكيل محكمة دولية في اغتيال الحريري وتوسيع التحقيق الدولي ليشمل الاغتيالات السياسية الأخرى، الأمر الذي اعتبره الوزراء الشيعة تدويلاً للأزمة وتفرداً بالقرارات المصيرية للبلد فقاطعوا الجلسات الحكومية.
وقد سارعت سوريا بالتعهد للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بالتعاون كلياً ومن دون تحفظ مع الرئيس الجديد للجنة التحقيق الدولية، ولعلها بذلك تفتح صفحة جديدة مع اللجنة بعيداً عن التراشق الإعلامي والتشكيكات والاتهامات المتبادلة التي طبعت علاقة دمشق بالقاضي ديتليف ميليس.
ولا شك أن اللجنة برئاسة برامرتز ستواصل عملها من حيث انتهت برئاسة ميليس وقد أعلن برامرتز «أن اللجنة ستواصل تنفيذ ولايتها بشكل مستقل وحيادي وفقاً لقرارات مجلس الأمن»، مشيراً إلى أن الاولوية بالنسبة له هي مساعدة السلطات اللبنانية في إطار التحقيق في اغتيال الحريري والتفجيرات الارهابية التي شهدها لبنان منذ اكتوبر 2004.
ومن هنا يأتي تشديد المراقبين على أن سوريا يجب أن تتخلى عن الطعن في تقريري ميليس الأوليين ودعوة برامرتز إلى بدء التحقيق الدولي من الصفر، فهذا مستحيل حصوله، بل من الأفضل لها أن تتعاون بشفافية وثقة تامتين مع اللجنة الدولية كي تثبت براءتها من اغتيال الحريري والاعتداءات الأخرى، أو تسليم المتهمين السوريين إلى العدالة في حال ثبت بالأدلة والقرائن تورطهم في هذه الاغتيالات، كما تعهد الرئيس السوري بشار الأسد نفسه أكثر من مرة.
ويبدو أن القاضي الجديد سيجد حلاً دبلوماسياً وسطاً لمسألة استجواب الرئيس السوري بشأن لقائه الأخير مع الحريري والذي زُعم أن الأسد هدده خلاله بالاغتيال في حال خالف الإرادة السورية في لبنان. فعنان رفض التعليق على سؤال بشأن استجواب برامرتز للأسد قائلاً إنه يريد ان «يترك برامرتز يقوم بعمله»، وهي إشارة تتضمن مرونة على غرار المرونة السابقة في استجواب المسؤولين السوريين في فيينا بدلاً من لبنان.
وعسى أن تنجح المبادرة السعودية ـ المصرية مدعومة من جامعة الدول العربية في إيجاد مخرج مشرف لاستجواب الأسد وتسوية الأزمة اللبنانية ـ السورية والأزمة الحكومية في لبنان، وهي ثلاث مشكلات مترابطة أو مشكلة واحدة تفرعت إلى ثلاث. فسوريا ومعها قسم كبير من اللبنانيين والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى يطالبون بفصل تداعيات التحقيق الدولي في اغتيال الحريري عن العلاقات اللبنانية ـ السورية، لأن تدهور هذه العلاقات لا ينبغي أن ينتظر انتهاء التحقيق ونتائجه النهائية، فثمة مصالح سياسية واقتصادية بين البلدين وعلاقات اجتماعية وعائلية تتضرر يومياً بسبب هذا التوتر.