ارادت حركة الجهاد الاسلامي ان تعلن موقفها السلبي من الانتخابات الفلسطينية فبعثت رسالة دموية الى مطعم في تل ابيب مخترقة بذلك اتفاقاً ضمنياً بعدم ارتكاب اعمال من هذا النوع في هذا الوقت بالذات الذي تستعد فيه القوى الفلسطينية لخوض الانتخابات التشريعية يوم الخامس والعشرين من الشهر الحالي وسط اهتمام جيد من المجتمع الدولي الذي ينتظر تلك الخطوة لكي يدفع باتجاه منح الشعب الفلسطيني دولة مستقلة.
السلطة الوطنية الفلسطينية التقطت الرسالة فأدانت العملية جملة وتفصيلاً ورأت انها تضر بالعملية الانتخابية، وربما ادركت حركة فتح وحركة حماس بعد اتفاقهما قبل يومين على موقف مشترك للتعامل مع الانتخابات بما في ذلك وقف العمليات العسكرية ان لحركة الجهاد التي اعلنت على الفور مسؤوليتها عن العملية »الاستشهادية« رأياً آخر تم التعبير عنه برسالة آدمية ملغومة تم ارسالها للاسرائيليين الذين يتابعون بقلق الازمة السياسية التي تعيشها اسرائيل اثر غياب رئيس وزرائهم ارئيل شارون عن الساحة، وفي وقت تتأرجح فيه كفتا الميزان بين اتجاه يقبل بما دون الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية واتجاه يرفض منح الفلسطينيين اي حقوق ولا يقبل الانسحاب شبراً واحداً من ارض »اسرائيل المقدسة« بينما الرأي العام الاسرائيلي يؤيد بنسبة الثلثين منح الفلسطينيين السيطرة على احياء في القدس.
آخر ما يمكن ان نفعله هو الوقوف ضد اي شكل من اشكال النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، ذلك ان سبب كل هذا العنف هو الاحتلال البغيض والعدوان اليومي على الشعب الفلسطيني الذي يمارس ضده ارهاب منظم وانتهاك صارخ لجميع المعاهدات والقوانين والاعراف الدولية، ولكننا نتحدث في هذه المرحلة عن عملية سياسية يحتاجها الشعب الفلسطيني كي يقيم قواعد دولته المنتظرة، وكي يثبت امام المجتمع الدولي انه شريك فاعل في عملية السلام على عكس ما تدعي اسرائيل، فما الذي تضيفه تلك العملية لنضال الشعب الفلسطيني وما هي الفائدة منها اذا كانت تصب في صالح بنيامين نتنياهو زعيم الليكود الذي يتلقط اخطاء الجميع ويلعب على الهاجس الامني للشعب الاسرائيلي كي يجره الى حيث يقف هو في اقصى اليمين المتطرف.
لم تأت العملية من فراغ، فقد ارادت حركة الجهاد الاسلامي ان يكون لها مغزى خاص يجعل من نتنياهو الطرف الافضل في معادلة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، ولكن تلك الحركة وهي تعلم ذلك جيداً لا تمثل كل الشعب الفلسطيني ولا منظماته الكبيرة او هيئاته الكثيرة انها في الواقع تيار لا يتوقف كما ينبغي عند البعد الوطني للقضية الفلسطينية بل ويعطي للفكرة الدينية اولوية مطلقة حاله في ذلك حال الطرف الآخر في الجانب الاسرائيلي الذي نسميه بالقوى الدينية المتطرفة التي قامت باغتيال اسحق رابين حين كانت العملية السلمية في اوجها.
من الواضح ان العملية خططت بشكل يمكن ان يؤدي الى خسائر كبيرة في الارواح لكن وقوع عدد قليل من القتلى ربما يقلل من خطورتها ومن الضجة التي كانت ستحدثها بالتزامن مع وصول الوفود الدولية التي ستشارك في اعمال المراقبة التي هي اشبه بالدعم المعنوي للشعب الفلسطيني، ومع ذلك فإن اسرائيل ستتخذ من العملية ذريعة لكي تقول ان تلك الوفود ليست في امان، وانها مضطرة لاتخاذ تدابير استثنائية، وغير ذلك من اساليب اسرائيلية مكشوفة.ليست عملية تل ابيب في صالح القضية الفلسطينية وهي تضر بالموقف الفلسطيني الراهن وبحركة الشعب الفلسطيني في اطار عملية سياسية ضخمة، فإذا كان قادة تلك الحركة مدركين لتلك الحقيقة فهذا ليس من حقهم، وان لم يكونوا كذلك فعلى القوى الفلسطينية الاخرى ان تقوم بواجب الشرح والاقناع.