الحقائق التي أعرضها على القراء مكتوبة بقلم رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق موريس كوف دي مرفيل تحت رئاسة الجنرال شارل ديغول وهو الذي كان أيضا وزير خارجية فرنسا من عام 1958 إلى 1968 أي على مدى عشر سنوات كاملة كانت هي السنوات الحاسمة في تمكن إسرائيل من السلاح النووي بفضل مساعدة باريس.
وهنا سوف أترجم للعربية خفايا اعتبرها جديدة تماما كتبها بوضوح من كان في قمة الدولة الفرنسية آنذاك وعاشها بل وكان مهندسها الأول. يقول كوف دي ميرفيل في الصفحة 98 من مذكراته المنشورة بمؤسسة بلون للنشر بباريس:
«حين قابلت الرئيس الأميركي جون كيندي يوم 7 أكتوبر 1963 في البيت الأبيض، أجريت معه جولتين من المحادثات، عبر لي الرئيس عن مخاوفه الخطيرة من إسرائيل وإمكانية حصولها على السلاح النووي.
لأننا في باريس وحسب اتفاقية بيننا وبين إسرائيل وقعناها عام 1957 التزمنا بمساعدة تل أبيب على إنشاء مفاعل ديمونة في صحراء النقب وتمكين الدولة العبرية من مخصبات اليورانيوم من نوع ماركول أي من إنتاج البلوتونيوم» ويضيف رئيس حكومة فرنسا الأسبق قائلا :
« منذ عام 1958 حاولنا أن نحد من طموحات إسرائيل واخضاع منشآتها النووية للمراقبة بحرص من الجنرال ديجول منذ توليه رئاسة الجمهورية عام 1958، ولكننا كنا مدركين بأن إسرائيل في مقدورها الحصول على اليورانيوم من جهات أخرى غير باريس».
هذا ما قاله كوف دي ميرفيل بالحرف، وهو يكشف حقائق لم نكن نعرفها من قبل وهي:الرئيس جون كيندي كان ضد امتلاك إسرائيل للسلاح النووي وعاتب باريس على تزويدها للدولة العبرية بما يؤهلها لامتلاكه.
وهو موقف مختلف تماما عن موقف الإدارات الأميركية التي جاءت بعده والتي اعتبرت التفوق الإسرائيلي على العرب أولوية استراتيجية في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
الرئيس كيندي عبر عن موقفه هذا قبل أسابيع قليلة من اغتياله على يد لي أوزوالد الذي كان متهما بعلاقات مع الأجهزة السرية الروسية والإسرائيلية.
لي أوزوالد قاتل كيندي اغتيل بعد ثلاثة أيام من إيقافه على يد جاك روبي أحد غلاة اليهود الأميركان المتطرفين، وجاك روبي هو ذاته مات في السجن بمرض شبيه بمرض ياسر عرفات بعد ثلاثة شهور من ايقافه!
نلمس من خلال هذه الشهادة أن الخيارات الاستراتيجية للدول العظمى يمكن أن تتحول من الضد للضد ومن الموقف الى نقيضه بحسب مصالحها دون أي اعتبارات عاطفية أو أخلاقية أو قانونية. فالمصالح حين اقتضت تفوق إسرائيل تحول الخيار الأميركي والأوروبي إلى عقيدة انفراد إسرائيل بالقوة النووية.
هذا هو منطق العلاقات الدولية كما يفرضه علينا العالم اليوم وعلينا نحن العرب قراءة ردود فعل شعوب أميركا اللاتينية على هذا النظام العالمي الظالم للاستلهام منها بعد أن أعلن هوغو شافيز رئيس فنزويلا وموراليس رئيس بوليفيا وميشال باشلي رئيسة تشيلي بأنهم لا يقبلون ذلك المنطق المؤسس على القوة والهيمنة!
alqadidi@hotmail.com