تصاعد الهجوم الحاد الذي يشنه الأقباط المصريون، المهاجرون منهم بشكلٍ خاص، على الإخوان المسلمين، بعد الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة وحصولهم على 88 مقعداً.

فمن قائل إنه سوف يحمل حقيبته ويغادر مصر إذا وصلوا إلى سدة الحكم، ومن قائل إنه على أميركا التدخل لحماية الأقباط، ومن باحث ومنقب وشارح لسياسات الجماعة منذ ظهورها في العشرينيات على يد مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا وحتى الآن، بشكلٍ يوصفون فيه غالباً بأنهم قمعيون وإرهابيون وقتلة.

ويتأسس هذا البحث والتنقيب والشرح على التفتيش في النوايا وتأويل الخطابات والزج بالإسلاميين في كل الكوارث التي حدثت لمصر والمنطقة العربية، وربما العالم أجمع في الماضي والحاضر والمستقبل.

وأغلب الظن أن هذه السياسة تتسق مع نهج الضغط المتواصل الذي يمارسه بعض الأقباط بما لا يمنح الآخرين سواء الإسلاميون أو الحكومة المصرية فرصة لالتقاط الأنفاس والتفكير الهادئ الرصين، كما يأتي هذا الهجوم متناغماً ومتكاملاً في الوقت نفسه مع الحملة الأميركية الدولية ضد العرب والمسلمين في كل مكان ومستفيداً منها.

يتضافر مع ذلك ظهور هذا الكم الضخم من كتابات الليبراليين الجدد الذين أطلقوا سهام نقدهم نحو نتائج الانتخابات، يحرضون الحكومات العربية على ممارسة القمع ضد التيار الإسلامي، بل ويذهب البعض منهم مذهباً مغالياً حينما يطالب أميركا بالتدخل المباشر.

ولأن الليبراليين الجدد لا يمتون بصلة إلى الليبرالية في شيء، فإنهم قد فتحوا ملفات تصوراتهم على التيار الإسلامي، فمن قائل بأنهم على اتصال بالحكومة المصرية، وأن ثمة صفقة قد تمت مع الحكومة قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة، كما يستدعي البعض علاقات أميركية إسلامية تمت من وراء ظهر الحكومة المصرية ذاتها.

ورغم أنني لست هنا في معرض تأكيد أو نبذ هذه التصورات، فإن المفارقة تأتي من كونهم أكثر الجميع تعاوناً مع الحكومة المصرية من جانب، كما أنهم أكثر القابعين على عتبات البيت الأبيض من جانب آخر.

وفي حمأة هذه الهجمة الشرسة التي لم تهدأ وتيرتها حتى الآن، تبرز إلى الأذهان مجموعة من الجوانب الهامة يصعب تجاهلها في ظل الكتابات القبطية العديدة، وفي ظل موجة الكتابة الليبرالية الجديدة.

على ما يبدو أن الكثيرين من هؤلاء لا يمانعون دخول الإسلاميين العملية السياسية ومشاركتهم فيها شريطة ألا يحققوا أية نجاحات لافتة للنظر؛ بمعنى آخر هم قد يقبلون مشاركتهم على مضض مع ضرورة هزيمتهم في الوقت نفسه، مما يمنحهم القدرة على تدبيج المقالات التي تهاجمهم وتؤكد على رفض الشارع المصري لهم.

وربما في هذه الحالة يمكن للبعض منهم أن يمدح الناخب المصري الواعي المدرك الذي لم تغوه الشعارات الإسلامية، وربما في هذه الحالة يمكن أن يتحدث البعض عن سماحة الإسلام وسعة أفق المسلمين.

وينسى هؤلاء، بغض النظر عن وجهة نظرنا في التيار الإسلامي برمته، أن قواعد اللعبة السياسية تتيح لكافة التيارات المشاركة في العملية السياسية، والتمتع بالنجاحات التي تتحقق من خلال ذلك. كما أنهم ينسون في الوقت نفسه مدى الشعبية الجارفة التي يتمتع بها التيار الإسلامي في العالم العربي بعامة.

وفي مصر بخاصة. ومرة أخرى بغض النظر عما يشيعه البعض عن جهل الجماهير وعن جاذبية الشعار الديني وعما يقدمه التيار الديني من خدمات للجماهير في الكثير من محافظات مصر، فحالة الهلع التي أصابت بعض الأقباط من نتائج الانتخابات لا تتناسب مع حديثهم المستمر ليل نهار عن الحريات المدنية .

وتكريس فكرة المواطنة. والأمر الذي لم يتوقف عنده الكثيرون ممن لم تعجبهم النتائج، أنهم حينما يرفضون هذا الفوز فإنهم يرفضون ملايين الأصوات التي شكّلت مجلس الشعب المصري، ويعني ذلك من جانب آخر أن بعض الأقباط يرفضون الآخر في الوقت نفسه، وهي التهمة نفسها التي يكيلونها ليل نهار للتيار الإسلامي بعامة.

وبالمناسبة فإن هذا الرفض لا يتعلق فقط بالكتابة ضد الآخر قدر ما يتعلق بالممارسات الفعلية. فحينما قُتلت الأسرة القبطية الأميركية هاجم الأقباط العرب والمسلمين الأميركيين.

وطردوهم أثناء محاولة البعض منهم تقديم واجب العزاء، واستعدوا عليهم الصحافة الأميركية. وحينما ظهر في النهاية أن القاتل أميركي مسيحي، لم يعتذر أحد للمسلمين، في الوقت نفسه الذي وجهت فيه الكنيسة المصرية الشكر لرجال التحقيق الأميركيين.

وطالما أن بعض الأقباط يرفضون الآخر المسلم سواء في شكله السياسي أو في شكله الشعبي، فإنهم يستخدمون نفس الأساليب التي يتهمون هذا الآخر باستخدامها ضدهم. فإذا كان لدى الإسلاميين تنظيماتهم العالمية، فإن للأقباط العديد من تنظيماتهم الدولية وعلى رأسها الأميركية والأوروبية منها.

وفي هذا السياق، يصعب القول بانفصال توجهات إسلاميي الداخل عن توجهات إسلاميي الخارج، كما يصعب تصديق انفصال توجهات أقباط الداخل عن توجهات أقباط الخارج.

وإذا كان الإسلاميون يستخدمون شبكة الخدمات الاجتماعية الواسعة لجذب المريدين والأتباع، فإن للأقباط أنفسهم، سواء في الداخل أو في الخارج، شبكاتهم الاجتماعية الواسعة، التي تتجاوز ما تقدمه الدولة نفسها.

وإذا كان الإسلاميون يستخدمون الإنترنت بكثافة كبيرة من أجل طرح مشروعاتهم الدينية والسياسية ومن أجل مهاجمة الآخرين، فإن لأقباط المهجر العديد من مواقعهم التي تشرح توجهاتهم، وتهاجم الآخرين، المسلمين منهم بالأساس.

وعلى ذكر الهجوم، فإن مسألة الإرهاب التي يُتهم بها الإسلاميون ليل نهار في محاولة من جانب الأقباط لاستعداء الآخرين عليهم، مسألة تحتاج إلى إعادة نظر في ضوء ما تنشره مواقع أقباط المهجر عن المسلمين وعن عقائدهم وعن ممارساتهم، مما يندى الجبين عن ذكره هنا.

فاللافت للنظر هنا أن الكثيرين لا يتحدثون عن هذا الإرهاب المعنوي الذي تمارسه هذه المواقع المختلفة قدر التركيز على العديد من المواقع الإسلامية الأخرى التي يمارس البعض منها نفس الإرهاب المعنوي الذي تمارسه هذه المواقع القبطية.

إن حالة الهجوم الشرس التي يواجهها الإسلاميون تعكس في مجملها ضعف التيارات السياسية المختلفة من جانب، كما تعكس رغبة البعض في البحث عن كبش فداء يتفادون من خلاله الاشتباك المباشر مع النظام المصري. فالإسلاميون رغم نفوذهم الشعبي الذي يصعب تجاهله أو الحط من شأنه، قوة مازال يتهمها الكثيرون.

وعلى رأسهم النظام الرسمي باللاشرعية، كما أن أميركا، لن تهتم بما يحدث لهم وما يصيبهم، على الأقل في الوقت الراهن. من هنا، فإنهم يصبحون الهدف السهل للهجوم عليه سواء أكان المهاجمون أقباطاً أم ليبراليين.

كاتب مصري