ارتفاع الأسعار، خاصة بالنسبة للمواد الغذائية، بات من جديد حديث الساعة. بل بات واحداً من الهموم اليومية الثقيلة. سيرة الغلاء لا تنقطع على لسان المستهلك. فنار الزيادة تكويه كلما مدَّ يده إلى جيبه.
وأعباؤها صارت ترهقه. كما أن هذه السيرة تحولت إلى موضوع مقيم في وسائل الإعلام، تتناولها من مختلف جوانبها وترصد حركتها وتنشر حولها الردود والتعليقات. وهي أيضاً صارت قضية مطروحة على المسؤولين ومتداولة على هذا المستوى، بصورة شبه دورية.
الكل يشكو ويتذمر ويحذر. لكن على الرغم من كل الضجة، وتعبيرات الاستياء، لا تزال الموجة متواصلة ومتعاظمة، بل هي في طريقها إلى ارتفاعات جديدة؛ حسب ما راج في الأيام الأخيرة. الوكلاء موردو السلع الغذائية طالبوا بزيادات في الأسعار. دخلوا في مفاوضات مع الاتحاد التعاوني الاستهلاكي، حول هذه الخطوة.
هذا الأخير رفض، وفق المعلومات، الزيادة. ثم دعا وزارتي الاقتصاد والعمل للتدخل. تعهد المسؤولون بعقد اجتماع مع خمسة موردين رئيسيين لمواد غذائية للتحقق من مشروعية الإضافة المطلوبة، على الأسعار، والتي تتراوح بين 17% و20%، لمواد شملت الزيوت والدجاج وغيرها.
من جهتها تعهدت «الاقتصاد» بالوقوف في وجه «أي زيادة فاحشة»، مع التلويح بالصلاحيات الممنوحة لها بموجب القانون والتي تخولها التدخل بقوة عند اللزوم.
تعبير «زيادة فاحشة» مطاط. وهو يوحي بأن هناك استعداداً للتفهم إذا لم تكن الزيادة بهذه الدرجة. ثم ما هو المعيار المعتمد لتحديد ذلك؟ فالطرح ملتبس ويوفر مساحة للالتفاف.
وبالتالي تسويق زيادة ما تحت ستار أنها معقولة وليست قاسية. في حين أن المطلوب التعامل مع هذا التوجه كما حصل بخصوص المطالبة برفع أسعار الألبان والعصائر قبل أسابيع والتي انتهت إلى التراجع عنها، تحت ضغط مواقف حازمة برفضها لها.
المطلوب التعاطي مع القفز السريع للأسعار ـ ومن دون أن يكون هناك ما يبرر ذلك ـ بصورة تضمن عدم التكرار العشوائي؛ المرهق للمستهلك وللاقتصاد الوطني.
لقد حصل في الأشهر الماضية أن هبّت رياح الزيادة أكثر من مرة. وفي كل جولة كانت الأسعار تتسلق إلى الأعلى؛ مخترقة كل الحواجز وصيحات التأفف والشكوى. ثم اتخذت الجهات الرسمية خطوة نوعية، علّها تضع حداً لهذه الظاهرة.
وذلك عندما قررت السماح باستيراد عدد من السلع الأساسية (16 سلعة) عن غير طريق الوكيل الحصري. ساد الاعتقاد بأنه بهذا الإجراء يكون قد بدأ كسر احتكار التوريد، وبالتالي وقف الزيادات المكرورة عن طريق فتح باب المنافسة الكفيلة بلجم الأسعار. لكن هذا الاعتقاد كان في غير محله.
فالاحتكار لم ينكسر وباب الاستيراد الحر بقي مقفلاً؛ لأن الوكيل يعمل بحمى القانون، الذي يوفر له المظلة. وما لم يتغير القانون، فلا مجال لوضع السوق في عهدة قانون العرض والطلب، وبالتالي التخلص من أحادية قناة الاستيراد.
لقد آن الأوان لاتخاذ الخطوات الجذرية الكفيلة بإغلاق باب الغلاء المنفلت؛ ليس لحماية المستهلك فقط، بل أيضاً لحماية المصالح الوطنية الحيوية أيضاً.