الإسلام الحضاري - سيد زهران

الإسلام الحضاري

يخطئ كثيرون من الناطقين باسم منظمات وأحزاب وجماعات ترفع راية الإسلام في حقه كعقيدة ورسالة ترسي أسس التسامح والدعوة بالحسنى وإعلاء شأن العقل والاجتهاد، وتؤاخي بين البشر، وتحرم ترويع وترهيب الآخر، وتعتبر قتل إنسان بريء بغير ذنب بمثابة قتل الناس جميعا، أو بلغتنا المعاصرة «إبادة جماعية».

ونخطئ نحن أكثر عندما ننساق وراء تيار يهمش إبداعات وإسهامات رواد الإصلاح والنهضة الحضارية وحملة مشاعل التنوير عبر العصور منذ بدايات التقاء العقل الإسلامي مع نتاج الحضارات الغربية والآسيوية، وحتى لحظة الصدام الراهنة التي بدأت مع الغزوة الأوروبية، بعد قرون من تراجع العرب والمسلمين وتخلفهم بكل المقاييس الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

ومن ميراث تخلف تلك الفترة تخرج كل أمراض المجتمعات العربية الإسلامية، وأخطرها تجريم الإبداع العقلي والتجديد، ورسوخ الثنائية البغيضة أما العقل أو النقل، وهى بيت كل داء نعانى منه.

والباب الواسع الذي تلج منه كل أشكال توظيف الدين لأغراض هو منها براء، لدرجة جعلت الإرهاب وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق ، يتصدر الساحة ويسيء لمفهوم «الجهاد» بمعناه الحقيقي ونبل رسالته.

على أن أخطر الأمراض الفتاكة التي يتعرض لها فهمنا للإسلام، هو ما يمارس حالياً من خلط بغيض بين الإسلام في ذاته كعقيدة جامعة خالدة من جهة وممارسة البعض له في ساحة الصراع الحزبي والسياسي.

حيث يتم تحميل الإسلام كرسالة ناصعة أخطاء هؤلاء الغارقين في المناورات الحزبية وما تفرضه من مصالح وأهواء، ترتبط بشكل وثيق بأصحابها أكثر من ارتباطها بالدين، الذي يفرض عليه سداد ضريبة انتسابهم إليه، ويتعرض لتخرصات المغرضين والأعداء، الذين لن تعوزهم الأدلة الجاهزة من ممارسات بعض المنتسبين له.

من الواضح أن هذا لا يعني المصادرة على ممارسة البعض للحزبية أو العمل السياسي، مثلما هو شائع الآن من اعتراضات البعض على رفع حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في فلسطين وجماعة الإخوان المسلمين في مصر لشعار «الإسلام هو الحل»,لكن المطلوب هو وضع خطوط فاصلة في الوعي العام بين «الإسلام» في ذاته.

وفهم هؤلاء له، حتى لا ندخل في فتنة كتلك التي قصمت ظهر الأمة في ضحى الإسلام، عندما دخلت الصراعات السياسية من الباب، وأفرخت كل الأمراض التي مازلنا نعانى منها.

المسألة ليست بسيطة ولا سهلة لكنها تفرض على الجميع الارتقاء إلى مستوى التحدي، والبداية لن تكون إلا بمراجعة حصاد فترة السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، للتعرف على الغث وتمييزه عن الثمين في عطاء «الإسلام السياسي» ووضع اليد على مكمن الخلل في تعاطي هؤلاء وخلطهم الثابت من صحيح الدين بالمتغير من مصالحنا المرسلة وأهواءنا وأمزجتنا السياسية.

أقول هذا وأنا مذهول من سخرية احد الناطقين باسم إحدى الجماعات الإسلامية في لندن من استخدام قطب إخواني شاب لمصطلح «الإسلام الحضاري» وقوله ان هذا يعني الأخذ بالمرويات والقصص والحكايات وترك جوهر الإسلام.

وفهمه كما هو واضح يفضح جهله بالميراث الحضاري للإسلام، وبجهود مفكرينا وعلمائنا لإحياء هذا الجانب الذي طمسه «الإرهابيون» ودعاة العنف، الذين يخلطون بين فريضة «الجهاد» والاجتهاد لم ينقطع منذ محمد عبده في مصر وبن باديس ومالك بن نبي في الجزائر وغيرهم، وحتى العملية والجهد الدؤوب الذي يجرى في بوتقة «المؤتمر العربي الإسلامي» .

حيث يسعى بعض من مفكري ونشطاء الأمة إلى فض الاشتباك العروبة والإسلام، وإقامة جسر من التواصل بدلا من العداء بين القوميين والإسلاميين.

وإزالة الميراث السلبي الذي خلفته فتاوى تجريم القومية العربية، وأيضاً إغلاق باب التكفير لإقامة منتدى حواري يعلي قيمة الاجتهاد ويعترف بالحق في الاختلاف وتعدد الآراء، وبالتالي اللحاق بالفرصة الضائعة لاستعادة النهضة، والخلاص من التبعية والتخلف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات