خط مباشر

نموذج استقلالي

في إحدى دول أميركا اللاتينية ـ إكوادور ـ خرجت مظاهرة قوامها ألفا طالب جامعي تندد بما أطلق عليه قادة المظاهرة «الاستعمار الاقتصادي الأميركي» للمنطقة.

وإذا أخذنا في الاعتبار أن الطلاب المتظاهرين هتفوا أيضاً بحياة الزعيم الفنزويلي الاشتراكي هوغو شافيز فإننا ندرك لماذا تناصب واشنطن هذا الزعيم عداء علنياً. ذلك أن نهجه الاستقلالي في الحكم يلهب مشاعر الطبقات الشعبية في بلدان المنطقة ضد سيطرة الشركات الأميركية على مفاصل الاقتصاد الوطني.

شافيز ليس حاكماً دكتاتورياً. ولولا أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة في فنزويلا التي اكتسحها حزب شافيز كانت خاضعة لمراقبة من ممثلين للمنظمة الإقليمية لدول أميركا اللاتينية شهدوا بنزاهتها لأقامت واشنطن الدنيا ولم تقعدها ضد نتائج العملية الانتخابية.

إن ما تخشاه واشنطن هو انتشار النموذج الفنزويلي في المنطقة. وربما تثبت لنا المظاهرة الطلابية في إكوادور في وقت لاحق أنها كانت شرارة لانتفاضات في شتى بلدان المنطقة.

أحدث تحرك أميركي ضد فنزويلا شافيز يتمثل في رفض صفقة طائرات عسكرية أبرمتها الحكومة الفنزويلية مع حكومة إسبانيا.

تشتمل الصفقة على 12 طائرة. ورغم أن الطائرات صنعت في إسبانيا إلا أنها مزودة ببعض المكونات الصناعية الأميركية مما أتاح للإدارة الأميركية أن تعترض قانونيناً على الصفقة. فهناك اتفاق رسمي يفرض على الحكومة الإسبانية الحصول على ترخيص أميركي مسبق في حالة اعتزامها بيع طائرات إلى طرف ثالث.

هنا ترى نموذجين للاستقلالية النابعة من مصالح مشروعة. فقد اتجه شافيز نحو إسبانيا بعد أن رفضت الولايات المتحدة بيعه طائرات من الطراز المطلوب.

ومن ناحية أخرى رفضت حكومة رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي خوسيه ثاباتيرو الانصياع للضغط الأميركي فقررت استبدال مكونات الطائرات الأميركية بمكونات أوروبية.

ونستذكر في هذا الصدد كيف أثبتت حكومة ثاباتيرو استقلاليتها عن السياسة الأميركية في وقت مبكر عندما قررت لدى صعودها إلى السلطة في أبريل 2004 سحب القوات الإسبانية من العراق ضد رغبة واشنطن.

وهكذا سيمضي شافيز في توجيه سياسات بلاده انطلاقا من مصالح شعبه الحيوية. وبالطبع فإن على الرئيس الفنزويلي أن ينتظر المزيد من التحرشات والمؤامرات الأميركية ضد نظام حكمه. ولكن من ناحية أخرى فإن على الولايات المتحدة أن تدرك أنها كلما صعدت من الضغوط على فنزويلا كلما ازدادت واتسعت وتعمقت شعبية شافيز ليس داخل وطنه فحسب وإنما أيضاً على المستوى الشعبي العام في بلدان أميركا اللاتينية.

وهناك مؤشرات بدأت بالفعل تلوح على الأفق. فالمظاهرة الطلابية في إكوادور سبقها فوز الرئيس الاشتراكي إيفو موراليس في انتخابات بوليفيا الرئاسية الذي استهل باكورة تحركه الخارجي بزيارة رسمية إلى كوبا كاسترو. ومثل شافيز فإن على رأس أجندة موراليس إعادة تأميم صناعة النفط والغاز بعد أن جرت خصخصتها لصالح شركات أميركية بواسطة أسلافه في السلطة.

وصفوة القول إن بلدان أميركا اللاتينية تعيش الآن مرحلة من التذمر الشعبي المتنامي مع تدهور المستويات المعيشية للطبقات الشعبية وانفراد شريحة ضئيلة بنسبة من الثروة والسلطة بينما تواصل الشركات الأميركية تحويل الأموال إلى الخارج باسم حرية انتقال رؤوس الأموال في إطار «اقتصاد السوق».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات