السجال اليومي والتراشق بالتهم بين ايران ومؤيديها من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى فيما يتعلق بالملف النووي الايراني، يكشف وبكل وضوح عن مدى ما وصل اليه عالم اليوم في دنيا المصالح الواسعة والمتشعبة من انهزامية في التعامل وبناء الثقة، وانعدام روح الحوار والمنهجية الدبلوماسية فيما يخص مثل هذه القضايا الخلافية.
فكل يوم تتصاعد حدة الحرب الاعلامية والتصريحات من الجانبين التي هي بطبيعة الحال لا تخدم المساعي السلمية للوصول الى حل يرضي الطرفين، ولا تعمل على تهدئة التوترات في المنطقة التي لا تحتمل أية مشاكل وحروب جديدة، بل تعمل على زيادة البلبلة بين الحكومات والزج بها الى صراعات تنعكس نتائجها السلبية على الشعوب المغلوبة على امرها.
ان التهديدات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي باحالة الملف النووي الايراني موضع الخلاف الى مجلس الامن الدولي ودعوة مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى عقد اجتماع طارئ حول هذه القضية، ليس هو الحل الامثل للخروج من هذه الازمة، لان من شأن ما يتمخض عن هذه الخطوات من قرارات زيادة الامور تعقيدا، سواء اكان ذلك بفرض عقوبات على ايران او غيرها من قرارات دولية ستساهم في اذكاء التوتر في المنطقة، وقد يدفع بالطرف الاخر لاتخاذ خطوات مضادة تزيد الامور تعقيدا وسوءا.
ان على الولايات المتحدة وباقي دول المجتمع الدولي الكبرى البحث في اسباب وجذور المشكلة، والسعي نحو مواءمة الحلول عن طريق الحوار الدبلوماسي الهادئ بعيدا عن التهديدات التي لن تجدي نفعا في عالم اليوم، وان كانت وسيلة من وسائل الضغط الا انها قد لا تكون مجدية في حل بعض القضايا الحساسة، ومن الاسباب التي يجب البحث فيها بشكل جدي ما اتخذته الدول الكبرى من خطوة سابقة بالسماح لاسرائيل ببناء برنامجها النووي بالغ الخطورة في منطقة بالغة الحساسية والذي يعتبر السبب الرئيسي والمباشر في تأجيج الصراع وانتشار الحروب ليس في منطقة الشرق الاوسط فحسب وانما في العالم بأسره.
ان السلاح النووي الاسرائيلي والمفاعلات الذرية التي تمتلكها بعيدا عن الرقابة الدولية والوكالة الدولية للطاقة الذرية يشكل الخطر الحقيقي على أمن واستقرار المنطقة والعالم كله، ويسبب خللا في موازين القوى الدولية، وعلى الدول الخمس والثلاثين الاعضاء في مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية وضع ذلك في الاعتبار، ولا بد من اتخاذ قرار بضرورة اخضاع المنشآت النووية الاسرائيلية لتفتيش الوكالة الدولية، ام ان اسرائيل دولة فوق القانون الدولي؟ فاسرائيل لم تنضم الى معاهدة حظر الانتشار النووي.
واذا كنا نطالب ايران بان تنتهج الشفافية في تعاملها بشأن ملفها النووي، فاننا نطالب باقي الدول الكبرى ان تكون اكثر شفافية وعدلا فيما يتعلق بمختلف القضايا الدولية خاصة تلك التي تتحكم في مصير شعوب ودول العالم.