أحيانا توصف القراءات الجذرية للأحداث ومحاولة تعميقها لتتناول الأبعاد المعرفية الأكثر عمقا من الأبعاد السياسية المباشرة بأنها مبالغات غير أن الشقوق والتصدعات التي تصيب الأمم وبخاصة الكبيرة منها تؤدي للانهيارات الفجائية إذا عولجت بالتطمينات والركون إلى «أوهام الثقة».

وبهذا الشكل انهار الاتحاد السوفييتي وهو مدجج بترسانته النووية بعد أن كان إمبراطورية ضخمة تبدو متماسكة متمتعة بأسباب القوة والبقاء. وقد طرح الحريق تساؤلات جادة بشأن مستقبل فرنسا ولها خصوصية تاريخية وثقافية كبيرة في أوروبا كونها بالنسبة لكثير من الأمم «الأمة النموذج» التي حذت حذوها معظم الأمم الأوروبية في مسيرتها لبناء «الدولة الحديثة».

والجذور البعيدة للأزمة تكمن حسب الكاتب اللبناني المقيم في باريس محمد قواص (الحياة اللندنية 12 /11 /2005) في حقيقة أن فرنسا انفردت بمفهوم مبتكر للأمة، فبينما تأسست فكرة الأمة في الرؤية الأنغلوسكسونية على رابطة الدم واللغة، اعتبر الفرنسيون أن الأمة تتألف من تآلف أفراد حول قيم معينة.

وراح فلاسفتها يمعنون في تقوية وتدعيم فكرة الاجتماع حول مجموعة من القيم يحتضنها المكان (الأرض) التي تنتهي إلى تشييد الأمة. وضمن هذا المنطق تأتي فرنسا لتكون مشروعاً تحكمه الإرادة الواعية للنخبة في التمسك بقيم الجمهورية بغض النظر عن قناعات الجماهير.

ونموذجا شبه ديني فالأمة عند الفرنسيين دعوة فردية تناسب الإنسان في الزمان والمكان أيا كان أصله أو دينه أو جنسه أو لغته، أي أنها تشبه القناعة الدينية عند المتدينين «صالحة لكل زمان ومكان».

ويعترف الفرنسيون بأن نموذج الاندماج الفرنسي في أزمة وفي هذا الإقرار إعلان اندثار نموذج كانت فرنسا تتفاخر به على الحلفاء والخصوم فقد أرادوا الترويج لرسالتهم في الأرض ودأبوا على تقديم قيم الجمهورية كثروة كونية.

وتحت هذا العنوان أسس الفرنسيون لدورهم الاستعماري لنشر قيم الثورة غير أن فرنسا ونخبتها (الحاكمة والمنظّرة) استمرت في مزاولة سلوك يمنح الأرض الفرنسية الأم بعدا خاصا بوصفها حاضنا للفكرة الفرنسية وللأمة الفرنسية.

وقد جندت فرنسا زادها الثقافي والتاريخي والتربوي لإنجاح نموذج المواطنة الفريد لديها وتفاخرت بجرأتها العلمانية وجعلتها فيصل النموذج الفرنسي وسخّرت مدارسها لنشر قيم الجمهورية تحت الثوابت الثلاثة:

(حرية - مساواة - إخاء) وكانت لغتها وسيلة ترويج وتجذير، وفي المقابل نظرت فرنسا دائما بعين منتقدة إلى التجارب الأميركية والبريطانية والألمانية في هذا المضمار، والتي تمحورت حول القبول بالأجنبي على قاعدة الجماعات والجاليات، والانتماء إلى الأمة على أساس الانتماء إلى الجماعة بأبعادها اللغوية والإثنية والدينية.

وما يكشف عن الأبعاد الحقيقية للحريق الفرنسي الأسئلة التي يطرحها المجتمع الفرنسي على نفسه ودرجة العمق التي تتسم فالأمة التي تزهو على العالم بميلاد مفهوم الدولة الأمة على أراضيها تتساءل: الفرنسي: من هو؟.

فمن أشعلوا الحريق جاؤوا من صفوف ملايين من المواطنين الفرنسيين، سواء من المهاجرين أو من أبناء المهاجرين، نبذهم المجتمع الفرنسي التقليدي، الذي رفض تعديل مفهوم المواطنة الذي تشكل عبر الثورة الفرنسية. ويبقى مفهوم الهوية الفرنسية متأصلا في الثقافة القديمة .

وفي جزء كبير من السكان الذين لم يقبلوا بعد التشكيلة العرقية المتعددة للأمة. فالفرنسي بالنسبة لكثير من الناس هو ببساطة: الخبز والجبنة الفرنسية والبيريه (القلنسوة الفرنسية)!.

والقضية في فرنسا أكثر تعقيدا لأنها مجتمع علماني مثالي يرفض الاعتراف بالعرقيات والخلافات الدينية في الحياة العامة. فكل مواطن هو فرنسي لا أكثر ولا أقل، كما تصر الحكومة، وهو موقف مثالي سمح للتفرقة بالانتشار.

ويقول يزيد سابق، وهو الفرنسي الوحيد من أصل عربي الذي يرأس شركة مساهمة فرنسية (الشرق الأوسط اللندنية12 نوفمبر 2005) «الناس يعتقدون أن التقسيم الطائفي أو العرقي أمر سيئ، وقذر وهو خاص بالأميركيين ويجب عدم القيام به هنا» وهو ما يؤكد أن الصراع مع النموذج الإنجلوسكسوني والرغبة في تأكيد الاختلاف عنه ملمح رئيس في المشهد الفرنسي.

وسابق الذي ولد في الجزائر وحصل على الدكتوراه من السوربون يستخف بفكرة الهوية الفرنسية المعتمدة، وخرافة الحقوق المتساوية وتردد الفرنسيين في الدخول في نقاش حول الهوة بين المثاليات والواقع ويضيف: «لا تعرف كيف تدير التنوع. ولا تريد قبول نتائج المجتمع المتعدد الأعراق».

ويعترف القادة الفرنسيون بفشلهم وبدأوا بالفعل في نقاش علني واسع حول تعريف «من هو الفرنسي». إلا أن هذا النقاش لا يزال مقيدا بالالتزام بمثاليات الجمهورية الفرنسية.

والفكرة وراء فلسفة المساواة في الجمهورية الفرنسية، هي أن تجاهل الخلافات العرقية لصالح هوية فرنسية شاملة، سيؤدي إلى تجنب تقسيم المجتمع إلى طبقات وجدت قبل الثورة الفرنسية، أو التفرقة التي تراها الآن في النماذج المتعددة الثقافات مثل الولايات المتحدة. ولكن النموذج الفرنسي، الذي لم يتطور قط، فشل كما يشير النقاد.

وقد ظلت مساعي الحكومة للتواصل مع الأقليات العرقية ضعيفة حتى الآن وتعرقلها المثل والمبادئ الجمهورية وحسب كريم زريبي، لاعب الكرة السابق والمستشار السياسي.

فإن نتائج دراسة أجراها بداية هذا العام أظهرت أن السيرة الذاتية التي تحمل أسماء فرنسية في مجال التقدم إلى وظائف تلقى استجابة أكثر بخمسين مرة مقارنة بتلك التي تحمل أسماء أفريقية أو شمال أفريقية، وأضاف أن الشباب المسجلين للوظائف في وكالته كثيرا ما يسألون عند التقدم لعمل ما إذا كانوا مسلمين ملتزمين!

كاتب مصري