لعل مهنة التربية والتعليم من أجلّ المهن التي يقوم عليها من الأمة من هم من أرقى العقول وأجل النفوس وأوسع المدارك وأعلى الهمم، والذين يتميزون في الغالب بقهرهم الأثرة تجسيداً للإيثار.

وإماتتهم لنقيصة الكبر سعياً وراء التواضع، واستعلائهم على النوازع المادية التي تنشب أظفارها في القول والأرواح طلباً لتعزيز القيم ورفعة الروح. ومن هؤلاء المربين والمصلحين والمفكرين والتربويين والدعاة والوعاظ من أثر بالكلمة والموعظة الحسنة والفكرة النيرة إلى حد لم يتوقع هو نفسه أن يبلغ تأثيره ما بلغ من شأو عزّ له نظير.

وليس من شك في أن هذا التأثير لا ينجم وحسب من كلام محض أو فكرة مجردة أو مقالة مقروءة في كتاب أو صحيفة، على جلال الكلمة وعظيم الفكرة وأثر الموعظة، ولكن التأثير يبلغ مداه المأمول وشأوه المرتجى حين تلتقي الكلمة بالفعل.

ويقترن القول بالسلوك فلا تعود مسافة بين الفعل والكلام، فالمقدمات تقود إلى النتائج، والفعل صورة ناصعة لكل فكرة أو مبدأ ينادي به صاحبه أو يدعو إليه أو يشجع عليه.

فكثيرا ما تتطلب الأفكار والأقوال جرأة وشجاعة تجعل صاحبها يقف بلا خوف أو وجل ليعلنها أمام الآخرين ممن هم أعلى منه منزلة أو أجلّ قدرا. وكثيرا ما يرى الإنسان نفسه أمام مواقف تختبر صدقه فيما يدعي وتمسكه بما يقول.

أقول هذا الكلام وأنا أتمثل الخطر البالغ من أثر غياب الخبرة المربية والقدوة الصالحة والموعظة المستنيرة التي إن أخطأت هدفها أصبحت سيفاً ذا حدين وشركاً كبيراً من الكلمات تختلط فيه الأمور.

وتعود على الوطن والأمة بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ فكم من كلمة نبيلة أو موعظة بليغة أو حكمة أصابت سواء المفصل ارتدت على صاحبها بما لم يقدره أو يحسب له أي حساب! فكثير من المعلمين والمفكرين والتربويين والوعاظ والدعاة يسقطون من حسابهم العلاقة بين القائل والمقول،.

ويغريهم افتتانهم بقولهم أو فتنة الناس بما يهيئون أو يحبرون بأن يقولوا ما لا يفعلون فيتركون كلامهم في واد وأفعالهم في واد آخر، ويتهيأون سلفاً لما يظنونه أو يتوهمونه أن لا صلة منطقية بالضرورة بين القول والسلوك ويكتفون بصحة الفكرة ويغضون الطرف عن سلامة القيمة والخلق.

وليس من هدفنا هنا أن نزعم أن من عنينا على فضلهم وقدرهم ينبغي أن يكونوا ملائكة تمشي على الأرض أو مبرئين من العيوب، فنحن نعلم أن الإنسان هو إنسان معرض للخطأ والصواب، ولكن الطبيعة البشرية شيء .

والتظاهر بالكمال شيء آخر؛ والصدق في السلوك شيء والادعاء بالأقوال شيء آخر، فكثيراً ما نلاحظ أن نفراً ممن ذكرنا يسوقون القيم والمواعظ والحكم، وإذا هم شر الناس في الخلق والضمير، يفسدون في الأرض بغير الحق فينتهكون القيم .

ويلغون في الأعراض ويغتالون الشخصية بلا موجب ولا دليل، فإذا خاصموا فجروا وإذا تحدثوا كان كلامهم بهتاناً وضلالاً في ضلال. والكارثة كل الكارثة حين تتضح حقيقة هؤلاء للذين استمعوا إلى قولهم زمناً طويلاً، وتربوا على حكمهم ومواعظهم.

وربما خشعت قلوبهم حين تغرورق عيونهم بالدموع، وإذا هم حين تنزاح عن وجوههم الحجب الصفيقة ليسوا إلا ممثلين جيدين يقومون بدور ليس لهم منه إلا القشور وأما الجوهر فهو أبعد ما يكون عن حقيقة القدوة التي تأسر القلوب وتؤثر في الناس.

ولعل من صفات هؤلاء أنهم يسارعون إلى تصنيف الناس بغير علم ولا هدى، ويظهرون ميلا قويا إلى الحكم على من يخالفهم في بعض ما يذهبون إليه بأحكام لا تستند إلى بينة أو دليل، ولا تقوم على معرفة أو يقين، فيرددون قالة السوء انتقاماً من خصومهم لا لسبب حقيقي وجيه، وإنما رغبة في إخفاء النقائص والعيوب.

ولعل هؤلاء من أشرس الناس في توظيف كل وسيلة لاستثارة الطيبين البسطاء أو الغوغاء الدهماء لتعزيز آرائهم وإشاعة مفترياتهم، فيستمدون فيما يدعون قوّة من هذا الدعم الذي لم يختبر أقوالهم ولا تبصر في المفارقة الواضحة بين كلامهم وأفعالهم. فإذا الكلام في واد والسلوك المنحرف في طريق آخر يهوي بهم في مهاوي الذين كذبت أفعالهم أقوالهم وباءوا بالخسران المبين.

إنّ الاستقامة الأخلاقية التزام صعب، يندر أن ننجح في تحقيقه في كل الأوقات، ولكنه مطلب أساسي يرسخ المبادئ والقيم، ويربي على الوضوح والصدق، ويحقق التماسك والاحترام. وأكثر ما تتجلى الاستقامة الأخلاقية في تصديق الفعل للقول.

وهذا ما يجب على المربين والمفكرين والتربويين أن يكرسوا أنفسهم له بتواضع ومثابرة وإصرار، فيجردون أنفسهم من الأهواء الشخصية والميول المادية والمصالح.

ويتجاوزون بأبصارهم حدود ما يهوون وما تميل إليه أنفسهم وما يحقق لهم الكسب السريع إلى ما تنبني عليه المصلحة العامة المشتركة، فلا يكون كلامهم في الإصلاح مرهونا بهم، فإن زالوا زال معهم، ولا تكون أحكامهم على الآخرين قائمة على التصنيف في خانتين لا ثالث لهما: معي أو ضدي.

فنحن حين نعلن أنّ الموضوعية والتجرد والمصلحة العامة هي منطلقاتنا في كل ما نقول ونفعل نلزم أنفسنا بأن نكون قادرين على الحياة مع الآخرين المختلفين عنا، نتعامل معهم ونتعلم منهم ونقبل اختلافهم ونحترمه من دون أن نستغل موقعنا في التقليل من شأنهم أو مهاجمتهم أو إقصائهم.

ومن عجب أن ديننا الحنيف والقرآن الكريم أنحى باللائمة على أولئك الذين لا يقيمون العلاقة الوثيقة بين ما يقولون وما يفعلون فقال جل من قائل:

«كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» تبكيتاً وتعنيفاً، ولعل العرب في جاهليتهم وهم يدركون أدق الإدراك الدلالات والمرامي كانوا يتأثرون بما يسمعون بل يهتزون وربما يُصدمون.

أما قومنا الآن فلعلهم لم يفهموا من اللغة إلا أنها لغة أصبحت لغة منافقة مراوغة تحمل الشيء ونقيضه، فما اللغة إلا كلام لا رابط بينه يؤدي وظيفة التزلف والنفاق. وما بالنا نتشدق بما لدى الآخرين من فضائل أهمها الصدق والعزوف عن النفاق الاجتماعي؟

وربما ننسب هذا إلى لغتنا المسكينة المظلومة بينا إذا عدنا إلى عصور لغتنا المتألقة وجدنا أن المسافة بين الكلام والفعل وبين اللفظة والدلالة ضيقة ضيقة حتى إنها لا تكاد تبين.

جامعة الامارات