المعروف عن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، أنه رجل قرار؛ وأنه حاسم في قناعاته ومواقفه المتشددة، التي استحق معها لقب سيّد المتشددين في الإدارة الأميركية الراهنة.
والمعروف عنه أيضاً أنه لا يُكثر من الأسفار والزيارات إلى الخارج. لذلك فإنه عندما يغادر واشنطون في رحلة خارجية، يتوقف إزاءها المراقبون والمحللون؛ في أميركا كما في العالم.
خاصة عندما تكون وجهته منطقة مثل منطقتنا، ويكون توقيتها مثل اللحظة الراهنة؛ بكل تعقيداتها والتهاباتها المفتوحة على المجهول. عندئذ يفرض السؤال نفسه: ما هو هدف، أو أهداف زيارته الحالية إلى بعض العواصم العربية؟ ما هي الملفات والمشاريع التي يحملها؟
نائب الرئيس الأميركي وظيفته، تقليدياً، قريبة من منصب شرف، هو موجود كرئيس ظل، في حال حدوث طارئ للأصل. خاصة عندما يكون هذا الأخير صاحب شخصية طاغية.
عند ذاك يتحوّل نائبه إلى مسؤول متجوّل يقضي قسماً كبيراً من وقته في التجوال على عواصم العالم، في رحلات بروتوكولية. يبقى، عملياً، على الهامش ما عدا رئاسته لمجلس الشيوخ وحقه بالإدلاء بصوته لترجيح المشاريع التي يدعمها رئيسه.
لكن ليست هذه هي حال نائب الرئيس تشيني. فهو خلافاً لأسلافه وأكثر من غيره وبما لا يقاس يلعب دوراً تنفيذياً ولو غير مباشر؛ باعتباره من أهم رجال مطبخ صناعة القرار في إدارة الرئيس بوش. بالإضافة إلى ذلك فهو يحظى بتقدير وإصغاء رئيسه له.
ومن هنا تأتي قوة نفوذه في رسم وترجمة سياسات الرئيس بوش؛ الداخلية والخارجية. بل إن الاعتقاد السائد عنه أنه المهندس الرئيسي لهذه السياسات. المتداول أنه جاء وفي جعبته أربعة ملفات: العراق، النووي الإيراني، سوريا ولبنان، الانتخابات الفلسطينية.
التقارير والتوقعات ذكرت أنه يحمل معه خطة لخفض القوات في العراق، وأنه ربما فاتح المعنيين بفكرة إرسال قوات عربية إلى العراق لملء الفراغ!
وأضافت أنه ينوي مفاتحة العرب بالتحول الذي حصل على مستوى الملف النووي الإيراني فضلاً عن «التدخل الإيراني في العراق». كما أنه يزمع وضع النقاط على بعض حروف الملف السوري ـ اللبناني لجهة أو لمصلحة التدويل بدلاً من التعريب.
والملاحظ أن جولته تأتي بالترافق مع توجّه لإدخال مجلس الأمن على خط إيران ودمشق. كما واكبها كلام تحذيري لمسؤولين في البيت الأبيض، بأن الإدارة إذ تعتقد أنه «لا يزال هناك متسع من الوقت لتفادي الاصطدام بالإرادة الدولية».
ـ والكلام موجه إلى طهران ودمشق ـ «إلا أن ذلك لا يعني أن واشنطن ستقبل بإبقاء الأزمة مفتوحة على احتمالاتها، بلا حدود بمعزل عن تسوية سلمية».
مثل هذا الكلام لا يخرج عادة عن التصريحات الروتينية. لكن مواكبته لزيارة تشيني أريد به، على ما يبدو، إضفاء طابع الجديّة عليه؛ وكأنه يشكل أحد العناوين الرئيسية لجولة نائب الرئيس. يعزز هذا الاعتقاد أن الملفات أعلاه باتت جميعها على نار حامية وأمامها استحقاقات قريبة فاصلة.
المؤكد، جرياً على السوابق، أن تشيني لا يتحرك خارجياً للتشاور فقط. فهذا من مهمات وزيرة الخارجية ـ رايس ـ وإذا ما أضيف إلى ذلك حال المنطقة المعروف؛ يكون من المنطقي القول: لننتظر ولنر.