ربما توجد أمراض أكثر شراسة، في مضاعفاتها المرضية، من الإيدز. لكن ثمة تدخلات علاجية بمقدورها وقف الزحف الفتاك لهذه الأمراض، أو التخفيف من كارثيتها. والخطورة المروعة في مرض الإيدز هي «نقص المناعة» بمعنى أن نزلة برد واحدة كفيلة بهدم كيان صاحب المرض، وإلقائه في جحيم المعاناة المذلة والبطيئة.
والمتابع للمبادرات الإنسانية على مستوى العالم سوف يلمس مدى انشغال كثيرين بتقديم العون والمواساة والشفقة للموبوئين بهذه اللعنة.. فتارة نسمع عن حفلات موسيقية وغنائية للترويح عنهم، وأخرى عن زيارات تعاطفية يقوم بها نجوم هوليوود وسفراء النوايا الحسنة، وثالثة عن تخصيص ريع بعض المهرجانات لتقديم الهدايا للضحايا.
ورغم ان الأمراض لا وطن لها، ولا تخضع لتصفيات الرحمة والمساندة، وان الضمير الإنساني الداعم لضحايا الإيدز لا يجب ان يكون انتقائياً ومنحازاً، لكن يبدو ان الهوان الذي يصم كل ما هو عربي يكشف بجلاء مرض نقص المناعة السياسية لدينا.
فالخطاب الإنساني العالمي، الذي يقطر رحمة ودمعاً على ضحايا الإيدز، انخرست مفرداته وصدأت مباضعه الرقيقة وتراجع زخم رقيه، عندما أصبح المشهد عربياً، فلم يكفهم أن العرب باتوا خارج التاريخ، بل أرادو أيضاً ان نكون خارج أفعالهم الإنسانية التي تفيض حباً وحناناً.
ليس مهماً ان يقوم الآخرون بتبخيس أسعارنا في بورصة العالم المتحضر، فهذا أمر يمكن إدراجه في أي منظومة صراعية بكافة وتائرها.. لكن المشكلة هي أننا نقوم بأنفسنا بالتفريط بأثماننا بعد ان سمحنا للإيدز السياسي بنهش أبسط حقوقنا، حتى أصبح مجرد وجودنا يقع تحت بند «إعادة النظر» فرضينا بالدنية في كل شيء.
ولأن الغرب يعرف تماماً أن المواطن العربي لم يعد حاضراً في مرايا بعض حاكميه، فإن الجنرال الأميركي تومي فرانكس حين سألوه عن عدد القتلى العراقيين قال: «إننا لا نعد الجثث»، في حين أنه يتذكر تماماً عدد القتلى الأميركيين.
إنه لم ينس مقتل ألفي جندي أميركي، بينما يتجاهل عشرات الآلاف من العراقيين الذين حصدتهم الآلة الأميركية.
الفرق بين الإيدز الجسدي والإيدز السياسي هو أن ضحايا الأول يتجرعون الألم والموت بكامل نقص مناعتهم الصحية، أما ضحايا الثاني يلوكون الحياة كما لو كانوا يعرفونها.
ضحايا الأول يرقدون على أسرة بيضاء في انتظار الموت أو العلاج، ضحايا الثاني منبطحون على أعتاب السيد الأبيض يعايشون الهوان ويطلبون الرضا الغربي، ضحايا الإيدز الجسدي مثواهم قبور لن تضيق بهم ذرعاً، بينما الآخرون مكانهم محفوظ في مزابل التاريخ حيث تزكم أنوفهم روائح الذل والعار.
الشاعر السوري أدونيس كان يقول: «لن يكون الوطن كبيراً ما لم يكن إنسانه كبيراً» واذا كان ديوجينس يحمل مصباحاً ليبحث عن الإنسان في حواري أثينا، فإننا نحمل أوجاعنا من الماء الى الماء علّنا نعثر على مثمن حقيقي لوجودنا.. علنا نرى بارقة أمل في شفاء مدمني الإيدز السياسي.
يقول الشاعر عفيفي مطر.. شحاذ الليل أنا، متسوله العريان/ تتعامد في وجهي طرقات العالم اذ ينتصف الليل/ ينفتح الباب فيرجمني الإنسان/ ينغلق فتنهش قلبي الظلمة والأضواء/ وأنا أبحث عن صوتي المجنون.