منزلق وطني - باسل أبو حمدة

منزلق وطني

ليس كسلا ولا تقاعسا ولكن كان لا بد من الانتظار لبعض الوقت حتى تتكشف الصورة الأقرب للكمال المتعلقة بما حدث في أروقة مجلس تشريعي عربي مؤخراً، حين صادقت غالبية أعضائه على اتفاق يقضي بعدم تسليم الأميركيين للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

علما بأن هذه الغالبية عينها كانت قد رفضت من قبل المصادقة على الاتفاق عينه، فما الذي دفعها الى أن تغير رأيها كليا باتجاه المصادقة عليه هذه المرة في بادرة تعكس تناقضا ظاهريا، لكنها تأتي منسجمة مع سياقات ماهية نشوء ووجود مثل هكذا مجالس هي مصممة في هيكلياتها وبناها القاعدية على أساس لعب أدوار ثانوية تكميلية لا تصب الا في مصلحة الأنظمة السياسية التي ترعاها ؟

كان لا بد من انتظار ردود الأفعال المحتملة تسهيلا لمحاولة ايجاد اجابة ما عن السؤال آنف الذكر، لكن بما أن أياً من ردود الأفعال تلك لم ير النور حتى الآن،.

ومن غير المحتمل أن يحدث غير ذلك، بحكم أن ردود الأفعال عادة ما تحدث والنار ما زالت حامية، فلم يبق أمام المراقب سوى إعمال الفكر في محاولة منه ـ على أقل تقدير ـ للاقتراب من أقرب اجابة ممكنة في مناخ يسوده الشك والريبة جراء الغموض الذي يحيط بطريقة اتخاذ قرارات بهذا المستوى تتعلق أول ما تتعلق بسيادة الدول والأوطان والشعوب.

هذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها الولايات المتحدة فرض ارادتها على شعوب أخرى وبشتى الوسائل القانونية أحيانا وغير القانونية في أحيان كثيرة أخرى، فمن بين الدول التي تمت المحاولة معها لتوقيع اتفاق مماثل لذلك الاتفاق خمسون منها رفضت خرق ما بات يعرف بقانون روما الأساسي الذي مهد الطريق لانشاء المحكمة الجنائية الدولية احتراما لتعهداتها الدولية.

لا سيما وأن «القانون الروماني» وضع أساسا لمحاربة جرائم الحرب والإبادة العنصرية ومحاكمة مرتكبيها، الأمر الذي لا يمكن أن يختلف عليه اثنان ينعمان بفطرة سليمة.

ولقد وصل تغول الإدارات الأميركية المتعاقبة الى حد الاقتراح على مجلس الامن في ظل ادارة كلينتون عام 2000 الموافقة على توقيع اتفاق مماثل يمنع تسليم كل من يتمتع بالجنسية الاميركية للمحكمة الجنائية الدولية.

و ذلك في محاولة فاضحة ومكشوفة لفرض ارادة بلد بعينه على سائر المجتمع الدولي، لكن هذه المحاولات لم تتوقف ابدا حيث تشير المعلومات الى ان ما بين 22 و100 من الدول قد وقعت بالفعل مع الولايات المتحدة، سرا أو علانية، على اتفاق عدم التسليم والمفارقة الكبرى هنا تكمن في ان جميع هذه الدول الموقعة على الاتفاقات الثنائية مع الحكومة الاميركية لا تمانع على الاطلاق في تسليم مواطنيها أنفسهم للمحكمة الجنائية الدولية.

ان هذا المسلك السياسي بعيد كل البعد عن القواعد والقوانين الناظمة للسياسة الدولية التي تقوم اول ما تقوم على مبدأ التكافؤ والمعاملة بالمثل، فضلا عن الزامية احترام العهود والمواثيق الدولية، اي انه لا يحق لدولة موقعة على احد هذه العهود او المواثيق ان تخرقه بأي حال من الاحوال خصوصا اذا تم ترسيم هذا الخرق من قبل ارفع هيئة تمثيلية وتشريعية في بلد ما.

كما ان المسألة تتعلق ببعد آخر لا يقل اهمية عن كل ما سبق ذكره ويتمثل في ان هذا النوع من الاتفاقات انما يحمل بين طياته سياسة تمييزية مزدوجة بحيث تمنح الدول الاخرى الموقعة مع الولايات المتحدة حصانة تخص المواطنين الاميركيين دون غيرهم من مواطني بلدان العالم الاخرى مع ان الجريمة المرتكبة موضع الحديث هي ذاتها في كل الحالات في حين تحرم مواطنيها أنفسهم من هذا «الحق» .

والأخطر في الأمر هو ان الولايات المتحدة نفسها قطعت مساعداتها عن دول رفضت التوقيع على مثل هكذا اتفاق، الأمر الذي ربما يقف وراء هذا القرار العربي مؤخراً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات