الاقتصاد هو أحد مكونات المجتمع، إذ ليس بالإمكان وجود مجتمع من دون اقتصاد، وليس بالإمكان وجود اقتصاد من دون مجتمع، لكن أهمية الاقتصاد في الحياة العامة للمجتمعات الرأسمالية أخذت تتزايد باستمرار وبسرعة بعد وقوع الثورة الصناعية.

ومع بداية الخمسينات من القرن الماضي تبلورت العملية الاقتصادية كعملية مهيمنة على ثقافة المجتمع الغربي والعديد من أوجه الحياة فيه، مما أدى إلى تراجع أهمية ودور العمليات المجتمعية الأخرى، خاصة العملية السياسية.

ولقد كانت إسهامات العملية الاقتصادية في دعم الجهود العسكرية الأميركية وتحقيق النصر خلال الحرب العالمية الثانية من أبرز العوامل التي مكنت الاقتصاد الأميركي من تعزيز مواقعه في المجتمع، ومهدت السبيل أمامه للسيطرة على السياسة وصبغ الثقافة بصبغة مادية رأسمالية.

وعلى سبيل المثال، قامت المصانع الأميركية خلال الفترة 1943-1944 بإنتاج سفينة حربية كل يوم، وتصنيع طائرة مقاتلة كل خمس دقائق، وهذا ساهم بدوره في مضاعفة حجم الاقتصاد الأميركي خلال سنوات الحرب فقط.

وفي الواقع، وبسبب الدمار الذي لحق باقتصاديات الدول الرئيسية الأخرى، فإن حجم الاقتصاد الأميركي تجاوز مع نهاية الحرب العالمية الثانية حجم اقتصاديات دول العالم مجتمعة، إذ بلغ حوالي 52% من حجم الاقتصاد العالمي.

وفي أعقاب حدوث ثورتي المعلومات والاتصالات وانهيار الماركسية وتفكك الاتحاد السوفييتي أعلن فلاسفة الغرب، خاصة الأميركيين منهم، انتصار الديمقراطية والرأسمالية، وذلك بالرغم من أن انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل الاشتراكية لم تكن لها علاقة بنجاح الرأسمالية أو بعدالة الديمقراطية.

ولقد كان من نتائج ذلك التطور شعور الغرب بالاطمئنان إلى فشل الاشتراكية وتلاشي إمكانية عودة الشيوعية إلى الحكم في روسيا وانفراد أميركا بمركز القوة العظمى الوحيدة في العالم.

وهذا مهد السبيل بدوره لتراجع الإيديولوجية من حياة الشعوب الغربية عامة، والسماح لكافة أطياف الفكر السياسي في الغرب بالتحرك نحو الوسط وتشكيل تحالف فؤوي عريض استطاع مع الأيام الهيمنة على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية في المجتمع.

ومع حلول الثمانينات من القرن الماضي كانت الأغلبية المسيطرة في المجتمع الديمقراطي قد أصبحت خاضعة لأقلية نخبوية خرجت من جوفها وعاشت في حضنها، وهي أقلية ذات مصالح فؤوية وطبقية محدودة، قليلا ما تتوافق وكثيرا ما تتعارض مع الصالح العام.

ولقد دفع هذا التطور بعض المثقفين والسياسيين إلى القول بأن النظم الديمقراطية الغربية الحديثة، خاصة النظام الأميركي، أصبحت خاضعة لدكتاتورية فؤوية تقوم على تحالف السياسيين ورجال الإعلام والأعمال وغالبية الممولين وبعض المثقفين، وهي نخبة تحكم باسم الشعب وتعمل لنفسها وتسخر إمكانيات الوطن لخدمة مصالحها الذاتية.

وحيث ان تعزيز المواقع الاجتماعية للنخبة الحاكمة يمنحها دوما فرصة أكبر للاستحواذ على المزيد من السلطة والثروة، فإن تبلور تلك النخب أدى إلى اتساع الفجوة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين فئات المجتمع الديمقراطي وطبقاته المختلفة. إلا أن تباين الخلفيات الثقافية ومدى تغلغل الفكرة الرأسمالية في وعي المجتمع وبنيته الاجتماعية، قاد إلى كبر حجم التفاوت الطبقي في المجتمع الأميركي وإلى صغره في المجتمعات الأوروبية عامة.

في ضوء فشل الاشتراكية وعولمة اقتصاديات دول العالم من ناحية، وتراجع أهمية وحدة الصراع العقائدي بين الدول من ناحية ثانية، أصبحت الديمقراطية والرأسمالية النظم الأكثر جاذبية بالنسبة لمختلف شعوب العالم، خاصة الشعوب التي عانت كثيرا في ظل أنظمة التخلف الاقتصادي والقهر السياسي.

وبعد أن اتضح مدى الفشل الذي رافق تجارب دول العالم الثالث عامة في تحقيق التنمية الاقتصادية والحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، أصبحت الديمقراطية والرأسمالية أمل شعوب تلك الدول في تحقيق الإصلاح الاقتصادي والتغيير السياسي والتحول الاجتماعي.

وفي الواقع كان النجاح الاقتصادي الباهر في الولايات المتحدة الأميركية واليابان وألمانيا وغيرها من دول صناعية غربية أهم القوى التي قامت حقا بالترويج للديمقراطية وإضفاء قدر كبير من المصداقية على هياكلها المؤسسية وترتيباتها التنظيمية.

وهذا جعل الديمقراطية الغربية تبدو النموذج الأكثر جاذبية سياسيا، وجعل الرأسمالية تبدو النموذج الأمثل اقتصاديا، وجعل الديمقراطية كنظام سياسي والرأسمالية كنظام اقتصادي توأمان لنظام مجتمعي متكامل، بدا قادرا على تحقيق التنمية الاقتصادية والحرية السياسية والرفاهية الاجتماعية للشعوب التي تبنتها.

نتيجة لذلك أصبح التوجه العالمي نحو الديمقراطية هو توجه نحو الرأسمالية أيضا، حيث لم يعد بالإمكان ـ على الأقل من الناحية النظرية ـ الفصل بين الديمقراطية والرأسمالية. وكما تشير الكثير من الحقائق على أرض الواقع يبدو التوجه نحو الديمقراطية في العديد من دول العالم الثالث،.

ومن بينها دول عربية، هو في حقيقة الأمر انجذاب نحو الانجازات الاقتصادية للمجتمعات الغربية وليس إيمانا بضرورة بناء أنظمة حكم ديمقراطية تصون الحقوق الفردية وتتيح للشعوب فرصة المشاركة في الحكم وفي اتخاذ القرارات المصيرية.

في المقابل، تشير تجارب بعض الدول، خاصة تجربة الهند في الديمقراطية وتجربة بعض الدول الآسيوية في التنمية الاقتصادية، إلى أن من الممكن الفصل بين الديمقراطية كنظام حكم سياسي والرأسمالية كنظام إنتاج اقتصادي دون أن يؤدي نجاح أو فشل أي نظام إلى جر النظام الآخر إلى نفس المصير.

ففي الهند مثلا أمكن تأسيس ديمقراطية برلمانية ناجحة إلى حد ما دون وجود رأسمالية ناجحة، حيث تم تعايش نظام ديمقراطي مع نظام اشتراكي فاشل.

وفي كل من تايوان وكوريا الجنوبية نجحت الرأسمالية في بناء تجارب اقتصادية تنموية وتحقيق معدلات نمو مرتفعة في ظل أنظمة حكم قريبة جدا من الدكتاتورية. لكن تجارب هذه الدول تشير أيضا إلى شيء آخر: أن نجاح التجارب التنموية لا بد وأن يقود إلى زيادة الوعي والمطالبة بالديمقراطية.

من ناحية أخرى، يلاحظ المراقب أن نجاح التجربة الديمقراطية في الهند كان سببا في استقرار الأوضاع السياسية وإلهاء القيادات الوطنية بالعملية الانتخابية وإيجاد ما يكفي من الأعذار والمبررات لتقليل أهمية فشل العملية الاقتصادية.

أما في الدول الآسيوية ذات التجارب الرأسمالية الناجحة فإن النجاحات التنموية أدت إلى تدعيم مصداقية وشرعية أنظمة الحكم الدكتاتورية، وإشغال الناس في عمليات تكديس الثروات والتمتع بمظاهر حياة استهلاكية شديدة الجاذبية.

وهذا يعني أن نجاح التوجه الديمقراطي بإمكانه منح المزيد من الوقت للعملية الاقتصادية، وأن نجاح العملية التنموية بإمكانه جعل العملية الديمقراطية أقل إلحاحا وربما أهمية في المدى القصير.

إن تبلور هذه الحقائق يعتبر من أهم الأسباب التي دفعت غالبية حكام العالم الثالث، بمن فيهم بعض الحكام العرب، إلى تطبيق سياسات إصلاح اقتصادية وإقامة واجهات ديمقراطية. وبينما يتم رفع الشعارات وإقامة الواجهات لإرضاء أميركا وكسب تعاطف دول الغرب الصناعية، يجري على أرض الواقع رسم برامج عمل وتطبيق سياسات بعيدة عن روح التنمية الاقتصادية ومخالفة لجوهر الديمقراطية.

إن برامج الإصلاح الاقتصادي التي تم تطبيقها لم تأخذ في الاعتبار واقع الحياة في الدول النامية ولا احتياجاتها التنموية بل قامت بمنح رأس المال رخصة مفتوحة للقيام بالاستيلاء على المال العام واحتكار الثروة.

وبالتالي أدت إلى تعميق الفجوة بين الفقراء والأثرياء، وبين المعرفيين والجهلاء، وهذا جعل العملية التنموية أكثر صعوبة من الماضي، وجعل العملية السياسية أكثر تعقيداً من ذي قبل.

أما الواجهات الديمقراطية فتستهدف إضفاء شرعية انتخابية على أنظمة حكم لا تملك ولا تستحق الشرعية، وبالتالي استخدام الواجهات السياسية لتكريس نظام حكم الحزب الواحد وغيره من أنظمة حكم فردية، وهي أنظمة ثبت فشلها وعقمها وفسادها في كل الحالات وفي كل البلاد التي وقعت تحت سيطرتها.

وهذا يجعل تلك النظم عامة أنظمة حكم غير ديمقراطية، ويجعل سياساتها الاقتصادية سياسات غير تنموية، ويجعلها بالتالي كيانات سياسية غير مؤهلة لاستيعاب روح العصر أو التعايش مع حقائق وديناميكية الحياة فيه.

professorrabie@yahoo.com

أكاديمي أميركي من أصل عربي