اشتعلت حرب التراشق بالاتهامات في لبنان، وطاول القصف حدوداً ومواقع، كان من المعتقد أنها محصّنة كفاية وأن هناك روادع ذاتية مشتركة تمنع ملامستها. الأزمة اللبنانية المندلعة منذ حوالي سنة، تخللها الكثير من التوتر والخطير من الانقسام.

لكنها لم تبلغ النقطة التي وصلتها في الأيام الأخيرة. وكانت النتيجة أن الأجواء تلبّدت أكثر من أي وقت مضى، وانسدت القنوات التي كانت التحركات تجري من خلالها لتفكيك، أو على الأقل حلحلة، العقد العديدة المتحكمة بالوضع اللبناني.

وإذا كان هذا الفوران قد بدا مفاجئاً، في مفرداته وحدته، إلا أنه لم يهبط من فراغ في أساسه، فهو حصيلة عوامل متداخلة ومشحونة بالتوتر والتأزيم.

ويبدو أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية أدت إلى مثل هذا التدهور.

1ـ غرق الأزمة بالمراوحة المريرة، وبالتالي ترك الملفات كافة لعامل الزمن ومحاولات التعايش معها إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

2ـ غياب الحوار المباشر الصريح بين الأطراف المعنية، حول الملفات التي تدور بشأنها اختلافات في الرأي والموقف.

3ـ كثرة التداخل، الذي يساعد على مفاقمة التأزيم، وقلّة أو تأخير ورخاوة التدخل المطلوب والمفترض أن يساعد على تلمس المداخل المؤدية إلى التقاط الأنفاس، إذا لم يكن إلى الانفراج.

على هذه الخلفية دخل الوضع عنق الزجاجة، وراح ضغط الانحشار في هذا الممر الضيق يشتد عليه، وكل محاولات الانقاذ والانتشال بقيت في حدود تطويق التفاعلات وتهدئة الأجواء، إما بالتنفيس على جرعات، وإما بعلاج التطمينات والكلام المعسول.

طبعاً التهدئة مطلوبة، والعمل على تنفيس الضغوط مرغوب لكن اللازم أكثر وأبعد. فطالما اقتصرت لغة الاتصال والتواصل، على التصريحات واللقاءات الثنائية والمحصورة طالما استمر اللف والدوران حول المشكلات من دون التصدّي لها، فهذه الأخيرة تحتاج، بسبب عمقها، إلى مكاشفة تقوم على مشاركة كل الفرقاء المعنيين، لاستبيان الجوامع المشتركة والبناء عليها، أما إذا بقي كل من هؤلاء متمترساً وراء خندقه .

ويقتصر كل ما يقوم به على الترويج لموقفه وتسويقه، بغير ذهنية الأخذ والعطاء، فإن الأزمة لا محالة، ليست فقط باقية، بل أيضاً مرشحة للمزيد من الاحتقان المحكوم بالانفجار، اذا استمر منسوبه بالارتفاع، ليس بالضرورة الانفجار الأمني.

لكن في أحسن الحالات السياسي، الذي يؤدي بدوره إلى استحكام واستفحال القطيعة وبالتالي إلى المزيد من الانكشاف المفتوح على المخاطر كافة.

الوضع في لبنان أخذ انعطافة حادة نحو الالتهاب. وهو يقترب من حافة الهاوية. سرعة عطبه تزداد والهوّة بين أطيافه آخذة في التوسع، الانقاذ يتطلب مقاربة مختلفة عن المقاربات التي تمّ تجريبها حتى الآن، على أن تكون سريعة وفعّالة لا سيما وأن مساحة الزمن باتت ضاغطة والبلد يعيش حالة مشوبة بالترقب والحذر. بل القلق والخوف من المفاجآت غير السارة.