الرياض - السعودية

فقدنا حكيم الكويت

فاجعة الكويت كبيرة بفقدان الأمير المرحوم الشيخ جابر الأحمد الصباح، فالرجل ظل معتدلاً في سياسة بلاده الخارجية، ومحافظاً على أساسيات العلاقات الاجتماعية الداخلية، وقد استطاع رغم زحف الحرائق لبلده، بما فيها احتلاله من قبل صدام أن يواجه بشجاعة تلك الأحداث واستطاع أن يوجد لحمة وطنية بين كل الفئات، ولعل نهب شعب عاش ويلات الاحتلال والتشرد، ومن ثم المقاومة في ظروف دولية قاسية، جعل المواطن الكويتي يستعيد ذاته وحيويته من خلال الثقة بسلطته التي قادها الأمير باعتدال ودون تطرف رغم قسوة ومرارة خطف بلد من مواطنيه..

الجانب الآخر، أنه عربياً وخليجياً لم يكن صاحب خصومات أو نزعة تفريق بالرغم من انشطار دول عربية أثناء الاحتلال، بين مؤيد لصدام، ومحارب له، لأنه كان على إيمان أن السلطات لا تمثل شعوبها، وإلا كيف يقبل أي بلد عربي أن يصبح رهينة لآخر، أو محتلاً من قبل دولة مجاورة كبرى، ومع ذلك جاء تسامحه مع أخوته كعقد شراكة حتى في أقسى الظروف وهي خطوة تحتسب له في الاعتدال والرؤية البعيدة، والتضامن العربي..

ومثلما شهدت الكويت حالات حروب وتهديدات خارجية، وبالرغم من محاولة جهات خارجية توظيف عناصرمتطرفة، أو منضوية لأحزاب أو تنظيمات، لزعزعة أمن الكويت فإن بناء هيكل ديمقراطي يضم كل القوى الداخلية، كان السياج الحامي ضد أي إخلال بالأمن، وحتى تعرضه لمحاولة اغتيال لم يأت بتصفيات تُبنى على الظن، بل كانت التحقيقات والمحاكمات تأتي بسياق دولة القانون، ولعل حالات الخلاف التي تنشأ في مجلس الأمة، أو ضمن الحراك الاجتماعي المؤيد والمعارض لحقوق المرأة الكويتية، استطاع المرحوم الشيخ جابر حسمه بإقرار تلك الحقوق بناءً على مبدأ أن الأم هي مواطنة لها كل الحقوق مع الرجل، وأن المواطنة لا تنقسم إلى تضاد، بل لتضامن يحتاجه أي مجتمع يؤمن بوحدة شعبه..

المرحوم كثير المآثر، ومرحلته التي تجاوزت حالات كثيرة، أدت إلى جعل الكويت لا تخشى رحيل المؤسسين والمصلحين، لأن بناء الدولة يبقى ضامناً لسلامتها من أي زعازع، وقد استطاع المرحوم أن يوجد هذا البناء كشاهد على أنه رجل المناسبات الصعبة التي أبعدت الكويت عن المخاطر، والمطامع، وهي سياسة صعبة إذا ما عرفنا أن الوطن العربي لايزال يعيش حالة فقدان التأسيس العملي لبناء دول مستقرة، إلا أنه استطاع أن يجعل من البلد الصغير قوة مادية، ومعنوية، ولديه من الإمكانات ما يوفر له سلامة الاتجاه واستمرار الحكم بنفس القوة والتطور..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات