تصوروا لو أن شاعراً معاصراً هو الذي قال:

تمامُ الحَجِّ أن تقف المطايا

على خَرْقاءَ واضِعَةِ اللّثام

ولم يقل ذلك ذو الرّمة الشاعر البدوي المعروف في القديم القديم، والمعنى واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، فهو يربط تمام فريضة الحج بالوقوف على مضارب محبوبته ويعتبر ذلك الوقوف منسكاً من مناسك الفريضة.

تصوروا أن يقول إنسان شيئاً من هذا القبيل هذه الأيام فمن المؤكد أن الجهل سيدفع به إلى أحد أمرين: إمّا الحَجْر العقلي أو إشهار سيف الحرابة عليه!.

لقد قال ذو الرّمة ما قال وهو المسلم من غير أدنى خوف من جاهل أو متطرّف لأن مجتمعه كان على جانب من التسامح، التسامح الذي تفتقر إليه مجتمعاتنا الإسلامية في القرن الحادي والعشرين، وذو الرّمة نفسه كان يعلم أن ما قاله ضرب من اللّغو، والله لا يآخذكم باللّغو في إيمانكم، ومن هنا فإن رسالة السماء لا خوف عليها من كلام البشر مهما كان نوعه.

إنّ الجهل بأسباب الحياة الحديثة المعاصرة والمخيم بكلكله في أعماق الأكثرية، من وعّاظ وعلماء الأمّة هو الذي أدى إلى تساقط المئات من ضيوف الرحمن في (منى).

إننا لا نستطيع أن نحمّل ما حدث إدارة الحج أو الهيئات التنظيمية، دون أن نأخذ في الحسبان الحواجز والموانع التي يضعها مدّعو المعرفة بشؤون وشجون الملّة، فهؤلاء سواء كانوا يعلمون أولا يعلمون، لا يخدمون بمواقفهم المتزمتّة إلاّ الجهل، والجهل بطبيعته لا يسمح للعلم بالتحّرك.

ولا يفسح للعقل بأخذ دوره الحقيقي في خدمة الإنسان، ولهذا السبب بالدرجة الأولى، ولأسباب أخرى، هيمن الجمود وتكلّس المخ في رأس الأمة، وأصبحت في حاجة ملحّة إلى من يأخذ بيدها إلى رحاب الحياة الحديثة من سراديب الضيق، لتلحق بركب التحضر والمدنية.

نقول: لو أنه تم اعتماد الوسائل التكنولوجية الحديثة في المناطق الأكثر ازدحاماً كمنطقة الجمرات، مثال ذلك: اعتماد ممرات وسلالم ذاتية الحركة لحل ظاهرة التدافع التي تنجم عن قلوب سليمة لرجم (الشيطان) لعنه الله، تكفيراً عما ارتكب من ذنب ووزر على يديه، نقول:

لو حدث ذلك لما شاهدنا ورأينا تلك الكارثة على شاشات الفضائيات، وهي بين شامت ومتعاطف، وما أكثر الشامتين وأقل المتعاطفين معنا هذه الأيام.

ترى متى ستنطق (هيئة العلم) بفتوى تطلق يد المنظم والمدير للاضطلاع بالمسؤولية على الوجه الأكمل؟ وهل إذا ما ضنت الهيئة بالفتوى العتيدة سيبقى الوضع كما هو عليه، مع العلم أن عدد الحجيج في ازدياد مطرد بمرور الوقت؟!

لقد أجازت فتاوى سابقة تنظيم نحر الأضاحى، كذلك أجازت السفر بالطائرات، علماً أن السفر إلى الديار المقدسة مشياً على الأقدام أكثر ثواباً عند الله كما يقولون؟!

إن العقيدة الإسلامية أكثر العقائد السماوية تسامحاً ويسراً، وحثاً على العلم والمعرفة (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (علم الإنسان ما لم يعلم)، أجل فالباري عز وجل علم خلقه كيف يديرون شؤون حياتهم، والعلم .

حيث يكون فهو حق لسائر بني البشر، لقد اشتركت البشرية منذ فجر التاريخ في استنباط واختراع وتصنيع الوسائل المسهلة لحياتها، واشتركت في سن الشرائع والقوانين لتنظيم شؤونها.

والكل أفاد من ذلك وفق قدرته وحاجته، ولا عجب في أن تستأثر بالنصيب الأعظم أمم دون أخرى، وأعني بها الأمم التي جعلت العقل نبراساً لها والمنطق هادياً يسير بها، والعلم عتادها وعدتها.

فيا أهل الحل والعقد في أقطارنا الإسلامية بعامة، والعربية بخاصة متى ستأخذون بأسباب العلم لنبذ الجهل؟ والنور لدحر الظلام، والعقل لإقصاء الخرافة؟ إن العالم اليوم ينظر إلينا بشماتة واستخفاف، فهذا موقع إخباري إلكتروني تابع لـ (BBC) يورد بعد ساعات من وقوع الكارثة في منى اقتراحاً احتجاجياً لمنظمة حقوق الإنسان يقول ب:

«التدخل لتنظيم الحج إذا كانت الجهات المعنية عاجزة عن القيام بالمهمة! ومن يدري فربما خرج علينا مستقبلاً من ينادي بهدم (ركن الحج) ما بقي التدافع يحصد الأرواح بفعل سيد الموقف: الجمود الفكري والعقلي، وما بقي الهراء البيزنطي منطق الهيئات مدعية العلم؟!

قال عليه الصلاة والسلام: من وليَ من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه.

كاتب إماراتي