«نقطة التوازن» بعد غياب شارون ـ جوزف سماحة

«نقطة التوازن» بعد غياب شارون

كانت الانتخابات الإسرائيلية تسير الهوينى نحو نتيجة واضحة. ينتزع حزب «كاديما» بزعامة أرييل شارون حوالي ثلث المقاعد في الكنيست ما يفتح أمامه المجال لتشكيل ائتلاف مع «العمل» بزعامة عمير بيرتس، ومع ما تبقى من «شينوي» بزعامة تومي لبيد ومع أحد الأحزاب الدينية أو أكثر.

كانت اللعبة مغلقة إلى حد بعيد. وكانت الدول الأجنبية والعربية المعنية بما يجري في النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تعرف مع من ستتعامل، ومع أي مشروع ستتعاطى ولو أنها كانت تحاول، جاهدة، تقديم صورة مزوقة عما ينويه شارون.

إلا أن اللعبة عادت لتصبح مفتوحة بعض الشيء مع غياب شارون عن موقعه المركزي في الحياة السياسية الإسرائيلية، أعيد خلط الأوراق وتوزيعها بما يسمح بالقول إننا لن نكون أمام النتائج السياسية نفسها حتى لو كانت النتيجة الانتخابية هي هي كما تقول استقصاءات الرأي الأولى والقابلة، طبعا، لأن تتغير.

حزب «كاديما» ظاهرة فريدة في الحياة السياسية الإسرائيلية، ليس ذلك بمعنى أنه حزب نشأ لمناسبة انتخابية فهذه «عادة» مكررة سبقه إليها «رافي» مثلا، أو حزب يادين أو شينوي...

كلا، إنه ظاهرة فريدة لأنه لأول مرة يقدم رئيس وزراء، وهو في السلطة على مغادرة حزبه وتأسيس حزب جديد وجذب شخصيات إليه من مواقع ومنابت مختلفة، ويبدو متجها معه إلى الفوز وتهميش الأحزاب التقليدية التي يعود تاريخها إلى ما قبل تأسيس الدولة!

لم يكن أحد يعرف بالفعل ما ستكون عليه صورة «كاديما». لقد كان سره عند صاحبه. لم يكن واضحا عدد المرشحين وأسمائهم وترتيبهم. وحتى البرنامج نفسه لم يكن قد صيغ بشكل نهائي.

وليس في وسع أحد التكهن حول الشكل التنظيمي للحزب ولوائحه الداخلية وكيفية اتخاذ القرارات فيه وأفكاره الاقتصادية ومواقفه من قضايا الدين والدولة في إسرائيل.. كل ما كان واضحا أن الحزب سيكون على شاكلة شارون: ضخما وقابلا لتأويلات مختلفة ومخترقا لليمين واليسار.

إن «كاديما»، بهذا المعنى، مشابه لأحزاب بتنا نراها مزدهرة في الديمقراطيات الغربية، بفعل الأمركة المتزايدة للحياة السياسية في أوروبا، حيث الشخص هو البرنامج، وحيث الإعلان هو الاعلام، وحيث يكون الباب مفتوحا أمام ممارسات لاحقة قد لا تكون امتدادا لوعود انتخابية غامضة.

حزب شارون هو تعبير عن لحظة تاريخية، أي عن تلاقي مجموعة انشقاقات تعرضت إليها التيارات الايديولوجية المركزية في الحياة العامة الإسرائيلية.

لقد التحق به، أول من التحق، المحبطون من السعي الدؤوب لليمين الأقصى للسيطرة على «الليكود»، وهو سعي اتخذ في أحيان كثيرة طابعا تشهيريا وتحقيريا لرئيس الحزب والمسؤول الأول فيه على العمل الحكومي. كانت الخلافات معلنة بين شارون وبنيامين نتنياهو وكان الثاني أقوى في الدوائر النافذة في «الليكود» .

ولو أنه أضعف لدى القاعدة وأشد ضعفا في نظر الجمهور الإسرائيلي الأوسع. وبقي الصراع محتوما إلى أن نجح شارون في فرض إعادة الانتشار في غزة بدعم واضح من حزب «العمل» ومن «شينوي» ومن «ميريتس» وبخلاف واضح مع أحزاب المستوطنين وغلاة اليمين القومي والديني.

ومع أنه نجح في السياسة العامة، فإنه بقي محاصرا داخل «بيته الحزبي» إلى أن اختار الخروج والتخلص، ومرة وإلى الأبد، من ضغوطات نتنياهو ومن هم أكثر تطرفا من نتنياهو. ومعنى الخروج هو أن شارون، نتيجة لحسابات معقدة، بات مقتنعا بأن البرنامج التاريخي لـ «الصهيونية التحريضية» لم يعد قابلا للتنفيذ.

وأنه لا بديل عن إيجاد صيغة تخفف إسرائيل عبرها من سيطرتها على التجمعات السكانية الفلسطينية، وتحاول ضبط توسعها في الضفة الغربية بما يتلاءم مع ما تستطيع الولايات المتحدة احتماله وتسويقه لدى «حلفائها» العرب، ما أن خطا شارون خطوته حتى وافاه إلى الحزب الجديد ليكوديون واقعيون.

انتقل إليه في معسكره الجديد أقطاب من حزب «شينوي». فهذا الحزب الذي يضع علمنة الدولة في صلب برنامجه انحاز، في السنوات الأخيرة، أكثر فأكثر نحو اليمين في ما يخص السياسات الوطنية الكبرى ومنها، طبعا، طبيعة التسوية مع الفلسطينيين.

وكانت المفاجأة أن قيادات عمالية انضمت إلى شارون وعلى رأسها شمعون بيريز الذي كان خاض قبل ذلك بأيام معركة على زعامة «العمل» انتهت بهزيمته وفوز عمير بيريتس المغربي الأصل، النقابي، صاحب البرنامج الاشتراكي ـ الديمقراطي، والمحاول خوض انتخابات لا تكون التسوية موضوعها الأول والوحيد.

الجاذبية التي مارسها شارون هو الخيار المفضل لدى الإدارة الأميركية، كما عن اعلان موقف مؤداه أن العملية التاريخية التي افتتحها «اتفاق أوسلو» قد اختتمت وأن لا مجال، في الأفق المنظور، لتسوية دائمة مع شريك فلسطيني.

يمكن القول، أيضا، ان انتهازيين عديدين انضموا إلى تيار يبدو متجها للفوز ولكن ذلك لا يغير كثيرا من ان الالتقاء عند «النقطة الشارونية» يعبر عن تحولات جارية في قصر المجتمع الإسرائيلي. وليس هناك من هو أفضل تعبيرا عن هذه التحولات من شارون نفسه الذي تلخص حياته العسكرية والسياسية هذه الصورة الملتبسة.

لم يكن الرجل مرة من أنصار اليمين القومي الصوفي على طريقة مناحيم بيغن، ولا من اليمين الديني، مر، ذات مرة، في حزب يساري ثم انضم إلى «حيروت» وساهم في تأسيس «الليكود» ولكنه كان ينظر بإعجاب دائم إلى المدرسة الأمنية في حزب «العمل» على إيقاع ما هو ممكن إقليميا ودوليا.

إن من يدقق في سيرة شارون يلاحظ أنه كان منفتحا ثم متبنيا لطرح يقدم على فكرته «التسوية الإقليمية» بمعنى التسوية القائمة على التوسع في الأرض المحتلة عام 67 مع التخلي عن البعض منها حيث الكثافة السكانية الفلسطينية. إن التحول الذي طرأ على تفكير شارون شكلي. فهو بات يوافق على أن يسمي الفلسطينيون ما يحصلون عليه «دولة» وليس «حكما ذاتيا».

بكلام آخر، يعبر شارون في شخصه عن تحولات حاصلة في المجتمع الإسرائيلي. لذا فإن غيابه عن المسرح السياسي قد لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار نقطة التوازن التي انحازت إليها إسرائيل: على اليمين.

كاتب لبناني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات