حول توزيع الصحف ـ د.هيام عبد الحميد

حول توزيع الصحف

ظاهرة التراجع في أرقام توزيع الصحف المكتوبة ظاهرة معروفة وتم رصدها بشكل رئيسي منذ الثمانينات وأخذت تتزايد بحلول التسعينات. وتهافت الصحف على الإصدارات الالكترونية منذ التسعينات كان طريقة للتحايل وللإفلات من هذا التراجع للحفاظ على الوجود الاقتصادي لمعظمها.

ويسود اعتقاد كبير بأن ناشري الصحف والإداريين في المؤسسات الصحافية عموماً من طبيعتهم المبالغة كلما أعلنوا أو كلما سئلوا عن حجم وأرقام التوزيع بالنسبة لصحفهم.

وتعد أرقام التوزيع في الصحف وايراداتها من الأسئلة الحساسة جداً التي لا يتم كشفها الا لأشخاص معنيين بهذا الموضوع بشكل مباشر، ومن هنا يأتي عدم توفر أرقام أو نسب عن إيرادات توزيع الصحف خاصة في دول العالم النامي.

لذلك تقتصر معظم الدراسات والبحوث التي تجرى على الصحف بالإشارة إلى أرقام تقديرية تنسب أحياناً إلى مؤسسات بحثية الا ان وجود بيانات كاملة او حديثة وموثقة عن السوق التوزيعية في هذه الدول يكاد يكون معدوما.

وبلغ الشك بالتلاعب بأرقام التوزيع في الصحف مبلغا خطيرا حتى صار يتردد بأن الإداريين القائمين على أقسام التوزيع في بعض المؤسسات الصحافية يقومون بالتلاعب أصلا على الناشرين.

او على رؤساء التحرير أنفسهم بإعطائهم أرقاما غير دقيقة عن نسبة التوزيع الحقيقية لصحفهم. ويكمن السبب وراء ذلك في خوف المسؤولين عن التوزيع من أن يتم اتهامهم بالفشل نظرا لأن نتائج توزيع أية مطبوعة في الأساس تعتمد على جهد الناشر أولاً وجهد الموزع ثانيا.

ومن أكثر الفئات مراقبة وحماسا لرصد عمليات التوزيع للصحيفة هم فئة الصحافيين والمحررين الذين ينظرون لدور التوزيع كمكمل أساسي لدورهم ونجاحهم من منطلق حرصهم على وصول منتجهم ومجهودهم إلى القارئ.

فتراهم يلعبون أحيانا دور المفتش ومتابعة السوق ونقاط التوزيع وحركة الموزعين. وكثيرا ما ينقل الصحافيون شكواهم وغضبهم إلى الإدارة لعدم توفر صحيفتهم في نقاط البيع التي تتوفر فيها الصحف المنافسة وتغيب فيها صحيفتهم.

ومن المواقف المضحكة ان الصحافي من شدة حماسه لوجود صحيفته في نقاط البيع المختلفة يقوم أحيانا بجمع النسخ المتوفرة من صحيفته ليضعها في المقدمة في (أكشاك) البيع دافعا بنسخ الصحف الأخرى إلى الخلف. وبعضهم يقوم بحساب عدد نسخ صحيفته ويقارنها بالنسخ المتوفرة من الصحف المنافسة فيزداد غضباً وهماً.

أما آخرون فكلما توقفوا عند محطات التزود بالوقود والتي صارت هي نقاط التوزيع الأساسية للصحف هذه الأيام أخذوا يتبادلون أطراف الحديث مع البائع ويستفسرون عن عدد النسخ التي تم بيعها في ذلك اليوم من صحيفتهم مقارنة بعدد المباع من الصحف المنافسة.

ويكون من أسوأ الأيام التي تمر على الصحافي اذا ما سمع شكوى من احد القراء بعدم وصول الصحيفة إليه في ذلك اليوم أو بتأخرها لساعات عن الموعد المعهود.

في الماضي عندما كانت الصحف تباع في الشوارع عند إشارات المرور كان الصحافي ينهر البائع إذا ما رآه حاملا صحيفة منافسة في يده يرفعها مشجعا السائق على الشراء غامزا له برفع صحيفته التي يعمل لديها.

وبلغ ازدياد تذمر الصحافيين من تقصير أقسام التوزيع وشكواهم المتواصلة بأن حددت بعض إدارات الصحف لوائح في ممراتها لتسجيل أي ملاحظات حول نقاط التوزيع وتحديد أماكنها وتوقيت تسجيل الملاحظة لمتابعتها وحل أية إشكالية بخصوصها.

تواجه إدارات الصحف تحديات كبرى داخلية وخارجية متعلقة بتوزيع الصحف من أهمها في بعض الدول أسعار بيع الصحف رغم ان الصحف معروفة بأنها السلعة الأرخص بعد الخبز.

كذلك هناك مشاكل النقل الداخلي والخارجي والظروف المناخية والتحصيل وأماكن التوزيع. ومن المشاكل الأكثر تحديا في توزيع الصحف هو ضعف الانتشار وتدني نسبة القراء حتى في أكثر الدول تقدما هذا إضافة إلى عدم معرفة بعض الصحف بحاجات ومتطلبات قرائها.

وذلك لفقرها في إجراء الدراسات العلمية الميدانية لرصد اتجاهات القراء وسماتهم وتفضيلاتهم ولجهل إدارات الصحف بطبيعة الأسواق التي يتواجدون فيها أو تلك المتاحة لهم ولكنهم غير متواجدين فيها.

أما التراجع الأخطر في توزيع الصحف فيكمن في بعض الصحف في تدهور المحتوى الصحافي العائد إلى تدهور المستوى المهني للعاملين في الصحف من كوادر بشرية. وتتحمل الإدارات الصحافية أحيانا جزءاً كبيراً من عدم الاهتمام بتوفير الكادر البشري المؤهل او في إهمالها للكادر المتوفر والذي لا يتم الاستفادة منه كما ينبغي.

من الخصائص الهامة لصناعة الصحف والتي يجب على إدارات المؤسسات الصحافية مراعاتها والالتفات إليها هي ان نجاح هذا المنتج -وهو الصحيفة- يعتمد بشكل أساسي على إبداع العنصر البشري العامل في الصحيفة.

وان بقاء واستمرار الصحف معتمد على ثقة وتعلق القارئ بها وهذه الثقة لا يستطيع ان يكسبها إلا الصحافيون المهنيون الذين يضمنون للصحيفة الإنتاجية والنوعية والربحية.

وإذا ما آمنت الإدارات الصحافية بهذه المعادلة وهذه الطبيعة الخاصة لصناعة الصحف سوف تتبنى فلسفة حديثة في التعامل مع كوادرها البشرية ينقلها من الدور التقليدي إلى الدور الاستراتيجي في فن التعامل مع عقلية الصحافي وتحفيزه الدائم على الإبداع.

Heyamm@albayan.ae

مديرة إدارة التطوير ـ (البيان)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات