بحزن كبير ودّعت الكويت أميرها، المغفور له بإذن الله الشيخ جابر الأحمد الصباح. وبأسى وأسف عميقين نعى الخليج ومعه العالم العربي واحداً من قادته التاريخيين والذي كان لحضوره وإنجازاته ومساهماته الأثر البالغ في مسيرة بلده.

كما في تاريخ المنطقة. واكتسب دوره القيادي أهمية إضافية من كون أن فترة حكمه واكبت مرحلة أعاصير في المحيط العربي والإقليمي، ونغّصت عليها مصيبة الاحتلال. لكن مع ذلك تمكنت قيادته الحكيمة ليس فقط من تمرير السفينة الكويتية بسلام وسط كل هذه الأنواء بل أيضاً من وضعها على سكة التنمية والتطور المتكامل الذي وفر لها مكانة مرموقة في الجوار كما في الساحة الدولية.

لقد رافق المغفور له مسيرة الاستقلال منذ ولادتها عام 1961. وبدأ معها ارتقاء سلم المسؤولية، فكان أول وزير للمالية والاقتصاد في أول وزارة استقلالية. وبعد ثلاث سنوات في هذا الموقع، تم اختياره ولياً للعهد ثم رئيساً للحكومة، لينادى بسموه أميراً لدولة الكويت عام 1977، إثر رحيل المغفور له الشيخ صباح السالم الصباح.

وليكون الأمير الثالث عشر من أسرة الصباح، الذي يعتلي كرسي الحكم. ومن هذا الموقع القيادي التصق اسم «أبومبارك» بالكويت، أميراً وشعباً ودولة، حتى صار يعرف بـ «جابر الكويت». وباتت هذه الأخيرة تعرف بـ «ديوانيته العامرة».

فجمع بذلك بين الرمز والأب وقائد عملية الانعطاف بالإمارة من مرحلة الحياة البحرية إلى حقبة النفط والبناء ودخول العصر، من أبوابه العريضة. بصماته واضحة على الإصلاحات الاقتصادية والتعليمية والسكنية التي شهدتها الكويت.

ففي زمنه تم إصدار أول عملة نقدية كويتية للتداول بدلاً من النقد الهندي. كما تم إنشاء مجلس النقد الكويتي وإعداد النظام الخاص بالصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية. وشغفه بالتنمية الاقتصادية لم يتقدم على الأهمية التي أولاها للتنمية البشرية، باعتبارها «الثروة الحقيقية الموجودة فوق الأرض» والتي تفوق قيمتها «الثروة الموجودة تحت الأرض».

ومن هنا كانت خطوته الريادية المبكرة عام 1999، لتشريع وترسيخ حقوق المرأة والتي بقى متشبثاً بها يوليها اهتمامه وتمسكه بها، إلى ان تكللت مؤخراً بالنجاح وتحولت إلى قانون دخل حيز التنفيذ.

كما كان، رحمه الله، في آن، من رواد العمل الخليجي المشترك الذي لقي ترجمته بإقامة مجلس التعاون والذي كان الشيخ جابر من بُناته مع إخوانه من قيادات دول المجلس.

وكانت أقوى لحظاته برغم الألم، يوم سقط الوطن في براثن الاحتلال فحمل قضيته على كتفيه، متجولاً في طرحها على العالم، من الأمم المتحدة إلى عالمه العربي، ساعياً وعاملاً على استرداده والذي كان أول ما فعله يوم عاد إليه بعد التحرير طبع قبلة على ترابه.

وبقدر ما يذكره مواطنوه بوطنيته يذكره إخوانه الخليجيون والعرب بخليجيتيه وعروبته، لمواقفه التي ما حازت يوماً عن العمل لتعزيز التقارب وجسر الفجوات بين الإخوة والأشقاء رحم الله الشيخ جابر وأسكنه فسيح جنانه، وألهم أهلنا في الكويت الصبر والسلوان.