الفشل الكامل للمشروع الأميركي في العراق لم يعد مجالاً للشك، هو بالنسبة لنا كارثة أضاعت دولة عربية رئيسية ودمرت أركانها وقتلت عشرات الألوف من أبنائها وجعلتها نهباً للإرهاب والطائفية.
وهو بالنسبة لشعوب العالم إرهاب دولة عظمى تسعى لبناء إمبراطوريتها بالقوة وتدوس القانون والشرعية لتسيطر على بترول العالم، وتمنع بالقوة أيضاً أي منافسة أو مشاركة لها.
وهو بالنسبة للشعب الأميركي نفسه كارثة وطنية أعادت إلى الذاكرة كارثة حرب فيتنام بكل آثارها التي لم يتعاف منها الشعب الأميركي إلا بعد أن دفع الثمن كاملا، والثمن في العراق حتى الآن 300 مليار دولار، وأوضاع اقتصادية متردية.
وأكثر من ألفي جندي قتيل، وأضعافهم من المقاتلين الذين لا يحملون الصفة الرسمية كجنود في الجيش الأميركي، وأزمة أمة تفقد أخلاقياتها حين تذهب للعدوان بلا مبرر، وتحيل نفسها إلى دولة مكروهة في العالم كله في الوقت الذي تقدم فيه نفسها على أنها رسولة الديمقراطية وحامية الحريات.
لكن ما نراه ويراه العالم كله فشلاً كاملاً، قد يكون من وجهة نظر صانعيه هو النجاح الكامل! فإذا كان مشروع ضرب العراق وتدميره هو أولاً أخيراً مشروع العصابة اليمينية الصهيونية المتحكمة في الإدارة الأميركية.
ومنذ وصول بوش، فإن السؤال الأساس هو: أليس ما يجري على العراق الآن هو ما خططت له هذه العصابة وعملت له منذ البداية؟ أليس تدمير العراق وإغراقه في بحر من الدم وفرض التقسيم الفعلي على أهله، وإنهائه كقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية تمثل خطراً محتملاً على إسرائيل هو الهدف الأساسي؟
وإذا كان الحديث منذ بدء الاحتلال عن خلق العراق الجديد الذي يمثل «النموذج» الذي يراد فرضه في المنطقة، فهل صدق أحد أن النموذج المطلوب هو النموذج الديمقراطي الحقيقي أم النموذج الذي يجري ترسيخه الآن والقائم على الطائفية والانقسامات العرقية التي تحيل هذه الدولة التي كانت أساسية في المنطقة إلى مشروع للانفجار الداخلي والحروب الأهلية؟
عقب الغزو تم تفكيك كل أركان الدولة ويحل الجيش والشرطة، وبعد تفاقم الأوضاع قيل إن هذه الخطوات كانت خطأ، غير مقصود، فهل كانت كذلك، أم أنها كانت الأساس في الوصول إلى الوضع المطلوب لعراق يتحول إلى الفوضى وحكم الميليشيات؟
الوقائع تقول إن العملاء العراقيين الذين عملوا مع المخابرات الأميركية وغيرها من الأجهزة للتمهيد لغزو وطنهم كانوا وراء هذه القرارات التي جاءت على هوى العصابة اليمينية الصهيونية صاحبة مخطط تدمير العراق.
والوقائع تقول إن حاكم العراق الأميركي بريمر وضع الأساس لما يجري الآن حين أصر على تشكيل مجلس الحكم على أساس طائفي رغم كل النصائح التي وجهت إليه إن يتم الاختيار على أساس تمثيل المحافظات.
وبعيداً عن ترسيخ الطائفية كأساس للاختيار، ولكنه رفض ذلك ليبدأ العملية السياسية التي انتهت إلى ما يواجهه العراق الآن من طائفية فرضت، بالأمر الواقع، حكم الميليشيات والمرجعيات الدينية وشبح التقسيم والحروب الأهلية.
لماذا نعود إلى ذلك الآن؟ لأن الأزمة السورية ـ اللبنانية تطرح السؤال من جديد عن «النموذج»الذي صنعته الولايات المتحدة الأميركية في العراق وإمكانية تصديره (أو فرضه) على المنطقة. والوضع لا يتوقف هنا عند محاولات نسف ما تحقق خلال السنوات الماضية من تقدم في لبنان على طريق المصالحة الطائفية.
ولكنه يريد اجتياح سوريا بنفس المنطق وعلى نفس الطريق! يستوقف النظر في الضجة البائسة التي أثارها عبد الحليم خدام وهو ينشق على القيادة السورية.
ويحاول تنصيب نفسه قائداً «ديمقراطياً» لثورة «ديمقراطية» ينسى فيها الجميع أنه كان في قمة النظام الذي ينشق عليه لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً شارك فيها في رسم السياسات والتحكم في مسار الأحداث في سوريا، وسيطر على الملف اللبناني لسنوات حاسمة، ولم يستيقظ ضميره «الديمقراطي» إلا بعد أن فقد مكانه في قمة السلطة.
يستوقف النظر أن الإعلام الأميركي لم يتوقف كثيراً عند حكاية الديمقراطية «كما فعل سابقاً مع العراق»، فهو يعرف أن الإدارة الأميركية لا تستهدف في سوريا الأشخاص وإنما الدور السوري الذي مازال يرتبط بالمقاومة اللبنانية والفلسطينية ويتمسك بثوابت قومية مطلوب إزاحتها من طريق المشروع الأميركي للمنطقة.
الإعلام الأميركي لم يتوقف طويلا عند حكاية «الديمقراطية» بعد أن انكشف نوع الديمقراطية التي اقيمت في العراق، ولكنه يتحدث عن خدام باعتباره جزءاً من مشروع لحكم «سني» يقوم في سوريا ويكون حائط صد للمد «الشيعي» القادم من العراق!
ويتم في إطار هذا الحديث ـ تناسى أن المد «الشيعي» الذي يتحدثون عنه تم على يد التحالف الأميركي البريطاني الذي فتح الباب لعراق منقسم طائفيا و يحكم من المرجعيات الدينية وليس من الأحزاب السياسية، والذي ترك جنوب العراق للميليشيات الطائفية والنفوذ الإيراني، وانه يتفاوض الآن من اجل صفقة مع طهران لترتيب الأمور في العراق المنكوب!
وفي نفس الوقت الذي كانت الإدارة الأميركية ترعى «النموذج» العراقي القائم على الطائفية، كان هناك في العام الماضي تحذير له دلالته من جانب العاهل الأردني حين تحدث عن هلال شيعي يمتد من إيران إلى لبنان!!
ثم ها هو الحديث يعود عن إسقاط الحكم في سوريا ليقوم حكم «سني» يواجه سيطرة «الشيعة» على مجريات الأمور في العراق، ويفك التحالف بين دمشق وطهران ويترك حزب الله اللبناني لمصيره.
هذا الطرح يتناقض مع حقيقة أن التحالف بين طهران ودمشق لم يكن تحالفاً دينيا بل كان تحالفاً سياسياً ساعد عليه الخلاف بين جناحي البعث في العراق وسوريا في هذه المرحلة.
ويتناقض مع حقيقة أن دعم المقاومة اللبنانية لم ينطلق من انتمائها للشيعة بل مواجهتها لإسرائيل وهو الأمر الذي جعلها تحظي بإجماع وطني لبناني مكنها من تحقيق الانتصار الكبير بتحرير الجنوب اللبناني في ضربة قاصمة للعدوان الإسرائيلي.
وهذا الطرح يتناقض أيضا مع حقيقة أن الخلافات العربية ـ الإيرانية لم تنطلق من خلافات دينية، بل من أرض عربية تم احتلالها بالقوة ومن أمن عربي لا يتحمل تهديد قوة إقليمية بل يسعى للتوافق معها على أسس تحقق التوازن وتضمن أمن الجميع وسلامتهم.
هذا الطرح لا يستهدف إلا نقل «النموذج» الذي خططت له ونجحت في إقامته العصابة اليمينية الصهيونية المسيطرة على القرار الأميركي في العراق، والذي تريد الآن نقله إلى سوريا ولبنان ومن ثم إلى دول عربية أخرى مازالت تتمسك بوحدتها الوطنية وتصارع شعوبها للإبقاء على هويتها العربية.
الواقع العراقي بصورته الأليمة الحالية هو الهدف المطلوب من أجل تفكيك الوطن العربي، وإعادة رسم خريطته،كخطوة أساسية على طريق مشروع الشروق الأوسط الكبير الذي لن تكون له فرصه إلا إذا تم القضاء على «عروبة» الدول العربية وتقسيمها إلى وحدات على أسس طائفية وعرقية تجعل من إسرائيل هي القوة الكبرى في المنطقة، وتسعى لتحالف يضمها إلى جانب قوي إقليمية أخرى من باكستان إلى تركيا يكون هو أداة أميركا للهيمنة على المنطقة.
وقد يكون الجزء الأول من هذا المخطط قد نجح في العراق من وجهة نظر اللوبي الصهيوني اليميني في أميركا والذي لا يرى إلا ما فيه مصلحة إسرائيل حتى قبل مصلحة أميركا، ولكنه بكل تأكيد يسير إلى فشل ذريع حتى .
وإن كان العرب في أضعف حالاتهم، فالشعب الأميركي يدرك الآن حجم الكارثة التي انساق إليها ويدفع ثمنها، والإدارة الأميركية تعرف حجم المأساة التي تواجهها.
والرئيس الأميركي الذي كان يتحدث عن «الرؤية» التي قادته إلى غزو العراق يضطر الآن لاستدعاء رؤساء الخارجية والدفاع الحاليين والسابقين سعيا إلى الوصول إلى تفكير مشترك لإصلاح الخطأ الذي وقع، حتى وإن كان لا يزال مصراً على أن يتم الإنقاذ تحت مظلة «الانتصار» الذي تحقق في العراق.
والشعوب العربية من جانبها تدرك الآن أكثر من أي وقت مضى حجم الخطر الذي تواجهه والثمن الفادح الذي تدفعه حين تساق إلى طريق التخلي عن عروبتها فلا تجد إلا الطائفية والانقسام وشبح الحروب الأهلية.
وفي ظل ذلك كله يصبح الحفاظ على سلامة سوريا ولبنان مهمة الجميع، فالمطروح ليس إلا تصدير «النموذج» العراقي وشرذمة الوطن العربي كله إلى شظايا طائفية وعرقية تغرق في بحر «الفوضى الخلاقة» التي بشرونا بها، ومازالت ـ رغم العقبات ـ في قلب مشروعهم للهيمنة على المنطقة.
نقيب الصحافيين المصريين