تعودت وسائل الإعلام العالمية سنويا في مثل هذه الأيام على تغطية شعائر الحج في مكة المكرمة. وعادة ما يكون التركيز في أخبارهم العالمية على منظر طواف حول الكعبة ومسير الحجيج إلى منى ورمي الجمرات والعودة.

وهو مشهد يستحق النقل المباشر ويستحوذ على انتباه الإعلام الغربي الذي يقف مشدوهاً أمام هذا العدد الهائل من الرجال والنساء المسلمين في منظر مهيب ليس له مثيل في أي تاريخ من تاريخ الأمم حيث يجتمع ملايين المسلمين لأداء فريضة واحدة من فرائض الإسلام مرددين بصوت واحد:

«الله أكبر ولا إله إلا الله» وفي مساحة لا تتعدى 366000 م2 هيئت أساسا لـ 000 ,100 مصل يصل عددهم إلى مليوني مصل في أيام الحج بل وصل عددهم هذا العام إلى مليونين ونصف المليون مصل.

إن ما يبهر الغرب في هذه الاجتماع الديني السنوي بعض الجوانب التي تجعل الإسلام فريدا من نوعه بين ديانات العالم:اجتماع ما يزيد على مليوني كائن بشري في منطقة صممت لتستوعب عددا لا يزيد على 000 ,100 رجل وامرأة دون اقتتال .

ودون تشابك بالأيدي وفي نظام لا مثيل له في طواف منتظم يؤديه المسلمون على مدى سبع دورات تتسع مساحتها كلما ابتعدنا عن أركان الكعبة المشرفة لتصل مساحتها إلى أضعاف مضاعفة عند الحلقة الأخيرة!

ومع ذلك يؤديها المسلم بكل حب وطواعية وإيمان راسخ بل وإصرار. وأكثر ما يجذب انتباه الغرب في هذه الناحية هو أنه لا يفترض وقتاً محدداً للبدء أو للنهاية في الطواف ففي الوقت الذي يدور فيه الكل حول الكعبة إلا أن كل واحد من هذه الملايين يظل في دورة مختلفة! والكل يكمل الآخر.

إن الجميع يخرجون في لون واحد: الحرام الأبيض الذي لا يستر إلا جزءا بسيطا من جسد المرء، وبشروط منها ألا يكون قد تمت خياطته وأن يكون من قطعة واحدة حتى يتساوى الجميع في شكله ومظهره. وهو رمز لعدة أمور: الطهارة والعفة والسلام والمساواة والبساطة والتواضع أمام الله. وفوق ذلك كله هو لون الكفن الذي هو مصير الجميع.

إنه وأثناء مناسك الحج يتساوى الجميع أمام الخالق: الغني مع الفقير والأسود مع الأبيض والعربي بالأعجمي والمذاهب المختلفة فيما بينها والحاكم والمحكوم وهي من المبادئ الأولى والأساسية التي قام عليها الإسلام في العدالة والمساواة بين البشر. فلم تعرف البشرية مناسبة أو يوما تتساوى فيه في لحظة واحدة جميع هذه الفروقات التي هي من أسباب الحروب في العالم!

اكتشف الغرب أن الصراعات التي قد تنجم عن الخلافات الداخلية فيما بين المسلمين تنتفي تماما في مثل هذه الأيام الحرم... وهي لحظة تأمل في إمكانية السلام بين البشر جميعا.

ما يعني أن أي خلاف بين المسلمين قد يتلاشى بين ليلة وضحاها وأن أي محاولة لتفريقهم مهما نجحت في بعض الوقت إلا أن المسلمين قادرون على نبذ خلافاتهم الداخلية والتكتل ضد عدوهم المشترك لأن ما يجمعهم أكبر وأقدس مما قد يفرقهم.

إن العدد الهائل للمسلمين المأخوذة صورهم عن طريق الجو وعن طريق الأقمار الصناعية في تجمعهم المهيب أيام الحج يدفع إلى تساؤل الكثيرين حول قوة المسلمين العددية الحالية والمستقبلية.

فالإسلام يعتبر القوة الثانية الضاربة في العالم إن لم تكن أولاها! فحجم المسلمين في ازدياد متسارع وعودة الروح إلى تطبيق التعاليم الإسلامية في أوجها وأصبحت الأحزاب الإسلامية التي كانت تعاني في السابق من القهر والظلم ومحاولة القضاء عليها، أصبحت في السنوات الأخيرة تنافس أكبر الأحزاب السياسية الأخرى في الوصول إلى سدة الحكم.

وهو ما يخيف الدول الغربية فأطلقت عليهم شتى الأوصاف التي ألصقت بها من التطرف إلى الإرهاب. خاصة بعد أن امتلكت بعض الدول الإسلامية السلاح النووي.

لقد رأى وقرأ العالم عن الإسلام الكثير: ولكن أسوأ ما قرأ عنه في وسائل إعلامه المقروءة والمرئية أنه دين الإرهاب والقتل والتخلف العلمي والفقر.

ولم يستطع الإعلام الإسلامي رغم مؤتمراته السنوية أن يغير شيئا من نظرة العالم إلى الإسلام والإطلاع على حقيقته، وفي تصور الكثيرين من الأجيال الغربية المعاصرة بأن المسلمين لا يتعدون حفنة صغيرة يمكن القضاء عليهم في يوم واحد. إلا أن مشاهد الحج تجعل الكثيرين منهم يعيد النظر في قوتهم البشرية التي يرون على شاشات تلفزتهم جزءا يسيرا فقط من عددهم الذي يربو على المليار!

إن مشهد الحج يجب ألا يكون فقط عبرة للعالم الغربي الذي يستهين بالإسلام والمسلمين ويفرض عليهم شروطه وأوامره وتعليماته: بل يجب أن يكون أولا عبرة للمسلمين الذين استهانوا بقدراتهم وقوتهم وعددهم وتركوا من هب ودب يتحكم في مصائرهم ويغير جغرافيتهم ويسرق تاريخهم وأرضهم.

dralaboodi@gmail.com

جامعة الإمارات