العلاقة بالآخر أياً كان، مواطناً عربياً يسارياً، أو طائفياً، أو ينتمي لحزب أو أي اتجاه، هي مجال شك وريبة، ومثله العنصر الخارجي، فأي حديث عن وصفة ديمقراطية يمكن تطبيقها على النظم العربية، فهي تدخل في صميم الكرامة الوطنية، وأي إشارة لإصلاحات سياسية، واقتصادية، وموارد مالية ترغب في الاستثمار في مجالات عربية حيوية، تحمل بذور هيمنة أموال صهيونية تريد أن تضعنا في حالة تبعية للغرب، وحتى الحكومات الملكية والوراثية كانت في نظر اليسار عميلة للغرب .
وقد واجهنا حكومات عسكرية، أو تحت مظلة حزبية، حوّلت مواطنيها إلى قطيع فقير يساق للتظاهر بقوة الشرطة، أو تقيّد يديه ورجليه في زنزانات السجون كخطر يهدد النظام بعمالته، لكن تياراً عالمياً بدأ يلغي حواجز القارات والطرق البحرية والجوية، جعل الاقتصاد هو الميدان الوحيد للمنافسة، وهنا جرت تعديلات على نظم، وهياكل حزبية، واختفت الشيوعية، فجاءت رأسماليات مختلفة تجتاح العالم كله لا تحاصرها موانع أيدلوجية أو تصنيفات سياسية..
وإذا كانت معظم النظم العربية الحاكمة وصلت إلى الكراسي العليا بانقلابات عسكرية، فإن تيار التغيير بدأ يفرض نفسه بقوة تأثير الأنماط العالمية المتطورة، وقد قاد الرئيس حسني مبارك الاتجاه الديمقراطي لبلده، وهو الأكبر والأكثر تأثيراً على الساحة العربية برغبة أن لا يحدث فراغ تتسلل من خلاله نظم راديكالية ومتطرفة، وقد أذعنت ليبيا لنمط مختلف عن الحكم السائد باعتبار ما جرى لصدام حسين يمكن أن تنتقل عدواه إليها، وقد سبقت اليمن دولاً كثيرة بتشكيل الأحزاب وإعطاء الصحافة كامل حريتها، وأيضاً استطاع بن علي أن يقود تونس إلى أهم دولة تستقطب الاستثمارات والسياحة الدائمة، وتبقى السودان في حالة مخاصمة بحكم تركيبتها الاثنية والاجتماعية، لكنها تريد الخروج من المآزق بأقل التعقيدات السياسية.
وحتى ملك المغرب فتح ملفات تجاوزات الحكم أثناء مرحلة والده، ولم يبخل في الاعتذار والتعويض للذين نالتهم قسوة تلك الفترة، ولا تُستثنى دول الخليج، فقد كونت رأس مال مهماً بدأ يؤثر على بنية السلطة، وقد جاءت الإصلاحات كضرورة حتمية مراعية جميع الاحتمالات، لأن تحصين الداخل بمرتكزات وثوابت تؤسس لعمل وطني شامل، جاء كخيارات ضرورية لأنه من غير الممكن الارتهان إلى تقاليد ونظم لا تراعي حركة التاريخ الذي فرض إيقاعه على كل العالم..
تبقى مسألة الثقة بالنفس شرطاً لتجاوز الواقع الصعب، لأن المواطن الذي يريد الحصول على ضروراته وتأمين حياته، هو درع الوقاية، ودونه سباحة في سراب..