كنا نقول في السابق أن أمراض المجتمعات العربية تتلخص في الثالوث المرعب الذي كان يفتك بها وينهش في عظامها وهو الفقر والجوع والمرض ولكن مع تطور الحالة المرضية نشأ ثالوث جديد أكثر رعبا على الشعوب العربية من الثلاثية التقليدية وهو ثالوث الفساد والاستبداد والخيانة.
وطوال السنوات الماضية أصبح الفساد المستشري في الجسد العربي اشد خطرا وفتكا من الاستعمار والعدو المتربص به ولم يكن له أن يستقر وينتشر ويستوطن إلا إذا كان قرينا وصاحبا لاستبداد وقمع وديكتاتورية وما كان يتولد عنه إلا الخيانة التي لا دين ولا وطن ولا ملة لها ولأصحابها ولا عجب من ظهور الخونة بأردية ومسوح وطنية وهم يبكون على الديمقراطية المستباحة في وطن هم أول من استباحوها ووطأوها بنعالهم.
فساد الأمكنة لا ينبت إلا استبداداً ولا يعيش فيه إلا «فئران السفينة» التي تلتقي وتتجمع لإغراقها وعندما تهرب منها تعاود التنمر والاستئساد والبكاء من جديد على السفينة الغارقة، وفئران الأوطان الذين يطلون الآن من الجحور الفخيمة على ركام الوطن ومعاناة الشعوب هم أنفسهم الذين توالدوا وتكاثروا في زمن الفساد والديكتاتورية وإغلاق نوافذ الحريات وعاشوا في كنفه مباركين ومهللين وراضخين.
الأوطان مثل الأرواح إذا فسدت وانتهكت تعطب وتنخرب حتى وهي موجودة على الأرض وكثير من الأوطان التي نعيشها منزوعة الروح يهيمن عليها سرطان الفساد ويجثو على صدورها الاستبداد لأن السلطة المطلقة فساد مطلق لا ثقافة له الا ثقافة المصالح الفردية التي تتخطى الانتماء الوطني والديني والحزبي ولا يفرز إلا خداماً ومخدومين.
التراجيكوميديا التي نشاهد بعض فصولها الآن ما زال في جعبتها الكثير وفئران أخرى غير مرئية تقضم في خشب القاع في أوطان أخرى تحت مقاعد الفساد حتى يهترئ وتحين لحظة الفرار عند الغرق أو عند تلويح «السيد» بقطعة الجبن العفنة التي يسيل لها لعاب الفئران.
والشعوب العربية الآن في فمها الماء تريد أن تتخلص منه وتزأر من أجل الكشف عن كل الفئران المختبئة في الجحور المظلمة داخل الوطن وإشعال كل مواقد الديمقراطية فيها دون انتظار لخروجها وهروبها فسيادة القانون وتوسيع هامش الحريات ومحاربة الفساد واحترام حقوق الإنسان كفيل وحده بخنق هذه الفئران في جحورها وسد كل الجحور الأخرى التي توالدت وتكاثرت فيها.
الديمقراطية الحقيقية للأوطان هي السبيل الوحيد لإنقاذ السفينة والرسو بها إلى مرافئ الأمان أما الاستبداد والتصرف في شؤون الرعية بلا خشية حساب أو عقاب ـ كما يقول عبد الرحمن الكواكبي ـ لن يؤدي إلا إلى المهالك والشرور ،والناس بحاجة إلى رجال يفكرون بحزم ويعملون بعزم ويبنون السدود العالية في وجه الاستبداد ولا يجعلون القوة إلا في يد الأمة التي لا تجتمع على ضلال أبدا.
والأمل ما زال موجودا ولا ينتقص منه ظهور فأر هنا أو هناك والشرفاء في الوطن كثيرون لكن المهم أن نتعلم من درس التاريخ ولا نسمح له بتكرار نفسه معنا ولا نقف متفرجين على ما يحدث حولنا وكأن النار غير مشتعلة في أطرافنا.
Asanhory2003@yahoo.com