في سنوات السكون، ربما قلنا في استقبال العام الجديد انه مجرد عام آخر، أما الآن فبإمكاننا أن نقول بكل ثقة: عام قلق اكبر. بدأ العام الجديد بما أسمي «قنبلة خدام»، تعبير مخفف لانشقاق مسؤول سوري كبير ظل يمارس دورا محوريا في الحكم طيلة عقود. النتيجة ان الضغوط زادت على سوريا وبات وضعها أكثر من حرج.

انعكس ذلك على لبنان دون تأخير، فمنذ ان اغتيل النائب جبران تويني في نوفمبر الماضي، تبين ان اللعبة باتت أكثر خطورة وان الساحة باتت مفتوحة للجميع. فللمرة الأولى يتوقف البعض ليقول: هل من المعقول ان يخون الذكاء قادة سوريا للتورط في عمل كهذا؟ لماذا لا تكون إسرائيل او حتى الولايات المتحدة وراء اغتيال تويني لإحكام طوق الورطة السورية؟.

في بلدي البحرين، فان العام الجديد هو عام انتخابات، بلدية وتشريعية يتوقع لها ان تكون ساخنة. السبب ان جل القوى السياسية التي اختارت مقاطعة الانتخابات في العام 2002 ستشارك في انتخابات هذا العام. سيمضي البحرينيون أيامهم هذا العام بلهاث وقد يتوقفون قليلا ليقولوا: هل مضت اربع سنوات على انتخاب البرلمان؟ يا الله كيف مرت هذه الأعوام الأربعة؟.

إنها الديمقراطية والمواعيد المضروبة والمحددة للتوجه إلى صناديق الاقتراع. فالديمقراطية في احد وجوهها تضبط حياتنا وفق مواعيد محددة وجداول زمنية. أي بعبارة أخرى، ذلك الشعور الدائم بضرورة التحرك والعمل واللهاث أحياناً.

وفي السعودية المجاورة، سيتساءل السعوديون: ماذا بعد انتخابات المجالس البلدية واللفتات الصغيرة تجاه النساء؟.

في مصر، التي اختتمت العام 2005 بشيء من الهستيريا صاحب تقدم حركة الاخوان المسلمين في الانتخابات التشريعية، سيجد المصريون أنفسهم مطالبين بمواجهة الكثير من الأسئلة المؤجلة. الاصلاح في كل مكان، اما العنوان الأكبر فهو الدمقرطة.

أنهى العراقيون العام الماضي بثاني انتخابات في ظل الاحتلال مع فارق تمثل في مشاركة سنية. لكم اكره الكتابة على هذا النحو، لكن هل استطيع تحاشي ذلك؟ من يستطيع على اية حال.

فالديمقراطية العراقية مهما بدت مغرية وضرورية تاريخيا، فإنها في وجهها الآخر تبدو ثمنا باهظا للخلاص من الدكتاتورية.

السبب لا يعود إلى ان دكتاتورية صدام حسين كانت أفضل او تملك اية ميزة، بل لان الديمقراطية التي يراد تأسيسها في العراق لا تبنى على أساس مفهوم المواطنة بل المحاصصة الطائفية.

انها الحال التي يشخصها «محمد سيد رصاص» بدقة عندما يسميها «ديمقراطية المكونات» التي «يتم فيها توزيع المناصب والتعيينات وفقاً لنسب (المكونات) العددية، سواء كانت طائفية أو قومية أو دينية». (ديمقراطية المكونات أم تلك القائمة على مبدأ المواطنة؟ - المستقبل، 4 يناير).

ان استقراء دمقرطة العراق التي تقودها الولايات المتحدة يدفع حتما إلى مقارنات وتساؤلات لا يمكن الاشاحة عنها. هل يقترع الغربيون والأميركيون تحديدا للرؤساء والنواب على أساس ديني او طائفي؟.

مع هذا فان الوصول إلى حال من الاطمئنان لإمكانية العراقيين تأسيس ديمقراطيتهم على اساس غير طائفي او ديني يبقى أمراً صعبا. فرغم بعض مظاهر العلمانية في نظام صدام حسين، رسخ ذلك النظام المقاييس العشائرية والطائفية في الحكم والإدارة. اما بطشه وسجله الدموي المخزي فهو ليس سببا يحتم تغييره فحسب، بل بات يدفع إلى الاستسلام للسهولة أكثر.

السهولة في العودة إلى المكونات الأولى التبسيطية للشعب: الطوائف عوضا عن المواطنة.

يحظى هذا بالرعاية الأميركية، فالولايات المتحدة في النهاية لا تفعل سوى ان تستجيب لرغبات الشعب العراقي مثلما استجابت لرغبات الأفغان قبلهم.

لكن رغم هذا كله، ورغم عامين من العمل الشاق في العراق والضحايا والإرهاب الأعمى، يصعب إحصاء مظاهر النجاح الأمر الذي يدفع معلق نيويورك تايمز توماس فريدمان إلى النزق قليلا: «..السؤال الآن هو ما نوعية الأقلية التي يريدها السنة.. هل يريدون ان يصبحوا مثل الفلسطينيين ويقضون المئة عام المقبلة يحاولون تحريك العالم العربي والإسلامي لتغيير مسار التاريخ، واستعادة حقوقهم لحكم العراق كأقلية، وهي خطوة ستدمرهم وتدمر العراق، أم يريدون احتضان المستقبل؟». (توماس فريدمان، سنة العراق ماذا تريدون بحق السماء - الشرق الأوسط 29 سبتمبر 2005).

واذ كتب فريدمان في 15 ابريل 2003، أي بعد فترة وجيزة من سقوط نظام صدام حسين ان «الحرب الجارية في العراق اريد منها نقل الجانب المثالي لقوة الولايات المتحدة إلى العالم العربي» مشددا على «ان مهمتنا الآن هي تطبيق تلك المثالية في إعادة بناء العراق وحل المسألة الفلسطينية»، فمن المستحسن تذكيره ببعض ما في كشف الحساب، بعض جوانب مثالية القوة الأميركية.

فضيحة «ابوغريب» ليست اولى علامات المثالية الأميركية بل رأس جبل الجليد الذي شاهدنا سفحه في غوانتانامو ومراكز الاعتقال السرية في بعض دول أوروبا الشرقية. يكفي تذكيره فقط بأن مثالية القوة الأميركية لا يمكن ان تتحقق على يد رجال إدارة مثل هذه القابعة في واشنطن، إدارة مكارثية.

منذ 2003 وحتى اليوم لم تعد السنوات تمر هنا مثلما كانت من قبل، لقد «مضى عهد الراحة» مثلما قال الروائي النيجيري شينوا اتشيبي وهو يصف انهيار مجتمعات قبائل «الايبو» في نيجيريا مع دخول المستعمرين الأوروبيين في بدايات القرن الماضي. رغم المسافة الزمنية، فان الفوارق قليلة ومفردة الاحتلال يمكن ان تفهم على أكثر من وجه مثلما ان الديمقراطية يمكن ان تؤسس على أكثر من مقاس وبأكثر من وصفة، فقط بما يجعلها في منطقتنا القلقة ثمنا باهظ الكلفة.

كاتب بحريني