حين يشد حجاج بيت الله الحرام رحالهم الى الاراضي المقدسة لأداء هذه الشعيرة العزيزة على قلب كل مسلم، انما يكونون مغمورين بفرحة ادائهم لها إلى حد ينسيهم وعثاء السفر ومشاق الترحال، خاصة إذا كانوا من كبار السن او النساء او الاطفال المسافرين بصحبة والديهم، وتظل هذه الفرحة تواكب المسيرة ومراحلها حتى رمي الجمار، حيث يؤدي التدافع في مرات عديدة الى سقوط المئات ضحايا هذا المنسك وامس أدمت حادثة وفاة 345 حاجاً القلوب حيث كان الضحايا يؤدون آخر خطوات المنسك الشريف وهي رمي الجمار ويتأهبون للعودة الى ديارهم للقاء الاهل والاحبة والاستمتاع بشعور المؤمن الذي قضى فرضه وأرضى ربه ونال بذلك خيري الدنيا والآخرة.

لقد اجرت المملكة العربية السعودية الكثير من التعديلات والاضافات على منطقة رمي الجمرات لتجعل الامر اكثر سهولة ويسرا واقل خسائر في الارواح، لكن اضافة التعديلات على الموقع تظل مجرد ضلع من مربع الاهتمامات التي ينبغي بحثها بجدية لاستكمال هذه المهمة الصعبة والثلاثة اضلاع الاخرى تتعلق حسب ما نعتقد في دور كل دولة مع حجاجها ودور الدول الاسلامية في علاقاتها التنظيمية قبيل الشروع في عملية ترحيل الحجاج الى مكة والمدينة، ثم هناك ما يتعلق بسلوك الحاج نفسه وحتمية التزامه بالتعليمات التي توجه اليه لحماية حياته وحياة الآخرين وإسباغ مناخ التقديس والتبجيل على تحركات الحجاج خلال اداء مناسك الحج. فكل دولة ينبغي ان تنظم لحجاجها دورات تشرح فيها كيفية اداء المناسك وتحذرهم من مخاطر لا تكون في حسبانهم يتعرضون لها بعفوية وحسن نية، واحيانا عن شيء من الجهل بعوامل السلامة التي ينبغي الالمام بها في اماكن الزحام كما ان على الدول الاسلامية ان تتدارس فيما بينها افضل السبل للتنسيق والترتيب الزمني لتحركات حملات الحج في الذهاب والاياب والتحذير الصارم من تجاوز ما يتم الاتفاق عليه من لوائح منظمة بالاستعانة بفتاوى معتدلة تحوز اتفاق الغالبية العظمى من اهل الفتوى وبخاصة فيما يتعلق بالرخصة التي تحتمها الضرورات، وما من ضرورة اكثر اهمية من ضرورة حفظ النفس من التهلكة حيث لا ضرر ولا ضرار في الاسلام، ورغم ان ثمة رخصة لرمي الجمار قبل الزوال الا ان البعض يحرص على التشديد برميها بعد الزوال وهو امر لم يعد يستقيم مع وجود هذه الملايين من البشر في وقت واحد في مكان واحد.

اما السلوك الشخصي للحاج فلعله اهم ضلع من اضلاع المربع الذي تحدثنا عنه فرغم هيبة المقام وقداسة الشعيرة الا ان الانشغال بأمور الدنيا يظل يمسك بتلابيب بعض الحجاج الذين يهتمون بالشراء وحمل المتاع الثقيل معهم الى موقع الرمي وهذا خطأ جسيم ينبغي تجنبه، ثم هناك من ذوي الظروف الشخصية غير المعينة من يصر على الرجم بنفسه مع وجود رخصة تتيح له ان ينيب عنه من يقدر على تحمل الزحام.

ان اعتبارات القداسة هي التي ينبغي ان يتمثلها الحاج في كافة تحركاته فاذا كانت وصايا قيم وآداب الحج تبدأ من التحذير من امور اقل من التدافع حتى الموت (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فمن باب اولى يكون التزاحم والتدافع خروجاً على آداب الحج مهما كانت المبررات لمثل هذا الفعل المتكرر، وكأن احدا لا يتعلم من تجارب الماضي فمازالت حوادث التدافع في (نفق المعيصم) وحريق منى وغيرهما من حوادث مؤسفة ماثلة في الاذهان وذكرياتها الاليمة تلح علينا ان نتوخى الحذر من الوقوع مرة اخرى في براثن مبطلات الحج من حيث اردنا اتمام مراحله. والامل معقود في ان تجد هذه المآسي المتكررة نهاية قريبة تجعل الحج اكثر اكتمالاً ومهابة وقداسة وبمنأى عن عوامل التهلكة.