من عام إلى عام يتحول العالم من مرحلة إلى مرحلة ويعيد تقييم الواقع والأحداث والرؤى والتصورات والأهداف فالدنيا تسعى نحو الجديد، والتجديد شرط من شروط بقائها وبقائنا. فهل نحن العرب واكبنا مسيرة الكون في هذا الفلك الدوار الذي نسميه الحضارة؟ وهل تقدمنا أم تقهقرنا أم ظللنا في مربع الانطلاق لا نبرحه إلى حين؟
هذه الخواطر جالت في خاطري وأنا أحضر في باريس في نهاية العام الماضي 2005 ندوة علمية نظمها معهد العالم العربي حول مواضيع علمية يشترك فيها العرب مع الأوروبيين، وكان عجبي على أشده حين سمعت رئيس المعهد وهو وزير فرنسي سابق السيد ايف غينا يقول للعلماء العرب المشاركين في الندوة ما يلي: إننا مستعدون في أوروبا للتعاون معكم وعقد الشراكات المفيدة مع العالم العربي، لكن نتمنى أن نراكم أنتم أنفسكم العرب تتعاونون فيما بين بعضكم البعض، والمشكلة التنموية العربية اليوم ليست مشكلتكم مع العالم بل مع أنفسكم كعرب. نعم والله هكذا تكلم أحد العارفين بالشأن العربي والمتعاطين يوميا مع قضايانا.
فالمأساة العربية التي نتذكرها في رأس هذا العام الجديد هي مأساة الانقسام والقطيعة بين دولنا والتي تذهب شعوبنا ضحايا لها في حين كان العربي يسافر من وطنه الصغير إلى وطنه الأكبر من المحيط إلى الخليج بلا تأشيرات أو جواز سفر، فمن تونس إلى مصر على سبيل المثال رحل الخليفة المعز لدين الله الفاطمي وقائد جيشه جوهر الصقلي وأتيا الفسطاط فأسسا مدينة القاهرة التي تلقب إلى اليوم بالقاهرة المعزية وأنشأ الرجلان فيها الجامع الأزهر الشريف. ثم في القرن الثامن انتقل العلامة ابن خلدون من تونس إلى مصر ليتحمل في القاهرة منصب قاضي القضاة ثم يكلف بالمفاوضات مع تيمور لنك في أحداث شهيرة.
وفي العشرينات من القرن العشرين سافر من تونس إلى القاهرة الشيخ العالم محمد الخضر حسين ليصبح بعد سنوات قليلة من التدريس شيخ الأزهر الشريف ومرجع علمائه الأفاضل ويكتب عن الحرية في الإسلام. وفي الثلاثينات من القرن الماضي أيضا تنقل بين تونس ومصر الشاعر العبقري محمود بيرم التونسي صاحب قصيدة شمس الأصيل التي غنتها أم كلثوم، وهو شاعر لا تعرف بالضبط هل هو تونسي أم مصري حين تقرأ قصائده التي ناضلت في الحركة الوطنية التونسية والمصرية على السواء. هذا بين بلدين عربيين فقط وآلاف الأمثلة من التاريخ قديمه وحديثه تجدها بين الشام ومصر والخليج العربي وشمال إفريقيا لها كلها دلالة واحدة وهي أن العرب أمة واحدة، وستظل كذلك إن شاء الله.
وفي نهاية العام المنقضي طالعت مداخلات ندوة نظمتها في تونس مؤسسة التميمي للبحث العلمي التي أسسها صديقنا الفاضل الأستاذ الدكتور عبد الجليل التميمي وتدور حول سؤال هو ماذا خسرت بلدان المغرب العربي من انعدام التنسيق وضياع فرص الاتحاد؟
فهذه البلدان لا تفصل بينها حدود جغرافية ولا تاريخية ولا طائفية، بل كل ما فيها يوحدها إلى غاية كفاحها المشترك ضد الاستعمار الفرنسي لكنها اليوم شذر مذر لم يجتمع قادتها منذ 1989 تاريخ تأسيس اتحاد المغرب العربي، وتتعاون الدول المغاربية مع شريكها الأوروبي كل على حدة أكثر بكثير من تعاونها فيما بينها؟
وقد أصاب رسام الكاريكاتير في إحدى الصحف الخليجية الذي رسم لوحتين تمثل الأولى العالم وهو يطوي صفحة 2005 ويفتح صفحة العام الجديد 2006 وتمثل الثانية المواطن العربي وهو يفتح الصفحة نفسها ولكن تظهر لنا سنة 1906. وهو رسم عميق الرمز.
فهل فشلنا في تحقيق التوفيق الضروري بين التاريخ والجغرافيا مثلما قال الزميل الفاضل صلاح سالم، لأننا تاريخيا ظللنا نلتفت للماضي ونتحسر عليه دون القدرة على الاستلهام منه، وجغرافيا ظللنا نتأمل في نجاحات الغرب وتفوقه وريادته دون القدرة على اللحاق به. أليست هذه الاشكالية هي الأهم والأخطر اليوم ونحن ندخل عامنا العربي الجديد؟ وأليس الأجدر بجامعة الدول العربية أن تعقد حولها مؤتمرا يشارك فيه المفكرون العرب لا الموظفون العرب....وكل عام والقراء الأعزاء بألف خير!
alqadidi@hotmail.com