الحريق الفرنسي الكبير .. سقوط الرايخ الأوروبي (1ـ3)

الحريق الفرنسي الكبير .. سقوط الرايخ الأوروبي (1ـ3)

خبر صغير في نشرات الأخبار: فرنسا اتخذت قرارا برفع حالة الطوارئ... ولكن!

إن الندوب باقية في وجه فرنسا بل ربما كانت شروخا عميقة وربما كانت ممتدة إلى أساس البناء الأوروبي، وما شهدته فرنسا قد يكون جزءاً من عملية تحول ضخمة يشهدها هذا البناء، فالبداية هي من الإقرار بأن تغيرات تحدث، وهذا ما لا ينكره أحد لكن واجهة المشهد قد تخفي خلفياته وثقافة الصورة قد تكرس التسطيح والنظرة أحادية البعد لما يحدث على حساب الدلالات الأكثر عمقا والمعاني التي حجبتها سحب دخان الحريق الفرنسي الكبير، وهو كبير في حجمه وفي دلالاته وفي الآثار التي سوف تترتب عليه.

وتحتل الخلفية الحقيقية لهذا المشهد أسئلة معرفية مطروحة على العقل الغربي منذ قرون وأعادت التحولات الدولية طرحها مرة أخرى. فمنذ سقوط الاتحاد السوفييتي والتحالفات الغربية على شاطئي الأطلنطي تخضع لعملية إعادة هيكلة بدأت تتبلور حول محور إنجلوسكسوني أميركي بريطاني بالأساس ومحور أوروبي فرنسي ألماني بالأساس وبدأت التدافعات بينهما تتجاوز المصالح إلى الأسس الثقافية للأنظمة السياسية في ما يمكن اعتباره صراعا بين نموذجين.

* فرنسا التي تسقط

وبينما كان العقل العربي، على خلفية مقدمات الحرب على العراق، يدبج قصائد المديح في فرنسا، النموذج الثقافي والدولة معا، ويرى فيها قطبا يواجه الطموحات السياسية الإنجلوسكسونية الصاعدة، كان الفرنسيون مشغولين بكتاب عنوانه «فرنسا التي تسقط» للمؤرخ والمحامي الفرنسي نيكولا بافراز.

والقصة كلها تستحق الاهتمام بدءا من العنوان الصادم والمؤلف المعروف، فرنسياً طبعاً، وصولا للانتشار الواسع الذي حققه ليكون على قائمة الأكثر مبيعاً فضلاً عن ردود فعل واسعة وجدل في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والسياسية الفرنسية وتغطية إعلامية نادرة (حسب وصف كامبردج بوك ريفيو) كونه يعالج موضوعاً حساساً ألا وهو مكانة وقوة فرنسا.

والكاتب يتحدث بوضوح عن أفول فرنسا وأدبيات الأفول عموماً، مهما كان المعني بالأفول، تثير نقاشاً دائماً وفورياً في الأوساط الأكاديمية والسياسية، وبافراز يستهل كتابه بأن المشهد المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي الفرنسي يشهد منذ القرن التاسع عشر تناوباً بين الأفول والنهوض معتبرا أن غياب الاستقرار المزمن هذا يجد علله في راديكالية المشروع الثوري لعام 1789 الذي سعى، بخلاف المسارات البريطانية والأميركية، لتأسيس الحرية على قطيعة كاملة مع التقليد أو الدين، ومنح أولوية قصوى لما هو سياسي، وإقامة مواجهة مباشرة بين الدولة والمواطنين ترفض كل وساطة. والكلام بإفراز هذا، الذي قد يعتبره البعض ترفا، أهمية كبيرة معرفيا وسياسيا في آن، ذلك أن بنية الدولة تعد من أهم العوامل التي تحكم مسار الأمم ومصيرها.

وبعد قليل من الجدل الذي أثاره صدور قانون الرموز الدينية الفرنسي (عرف بقانون حظر الحجاب) وتمثلت أهم ملامحه في انتقادات رسمية وجهتها الإدارة الأميركية للقانون بوصفه انتهاكا للحريات الدينية بدأت قضية النموذج الثقافي المؤسس للدولة الفرنسية ونظيره المؤسس للتشكيل الحضاري الإنجلوسكسوني تصبح موضوعا لجدل غير مألوف فصرح الرئيس الفرنسي شيراك بأن: «بريطانيا ليست نموذجا يحسد أو ينسخ» (الشرق الأوسط اللندنية 15 يوليو 2005).

* نعم الأميركيون شامتون

وكما استدعى الجدل حول قانون الحجاب الخلفيات العلمانية المتشددة للنظام الفرنسي طرح الإعلام في أميركا وبريطانيا قضية الطبيعة العنصرية للنظام الفرنسي فتحدثت وسائل إعلام عديدة، ربما كان أهمها BBC، عن التمييز ضد المسلمين في فرنسا وشبهت الأحياء التي يسكنون فيها ب«الغيتوهات» مستدعية مفردات مؤلمة من قاموس التاريخ الأوروبي ومستعرضة حالات اضطر أصحابها لاستخدام أسماء مستعارة لإخفاء أصولهم العربية والإسلامية.

ورغم أن التمييز العنصري ممنوع في فرنسا قانوناً إلا أن الواقع يخالف التشريع وهو ما تؤكده الإحصاءات فنسبة البطالة لدى المواطنين من أصل فرنسي هي 2,9% أما لدى المجنسين فهي 14%. وغالبا يرفض صاحب عمل النظر بطلبات يحمل أصحابها أسماء أجنبية ويلخص هذه الحالة المأساوية قول أحد المهاجرين: «تشعر أنك لن تنجح أبدا لمجرد أنك عربي» وفي لمحة ذات دلالة تتحدث الإذاعة البريطانية عن «فشل فرنسي» وضرورة البحث عن طرق جديدة.

ودونما مواربة تبدو شماتة أميركية خفية في شأن أحداث الشغب بفرنسا فبعض الصحف المحافظة مثل «وول ستريت جورنال» و«واشنطن تايمز» رأت أن ما حدث يمثل ضربة لمنظومة القيم الأخلاقية الأوروبية واقتصادات دولة الرعاية في القارة التي يقولون إنها تتحمل المسؤولية الجزئية عن محنة المهاجرين.

وساد شعور بالزهو في صفوف الكتاب اليمينيين لأنهم كانوا قد توقعوا ما حدث، فالكاتب الصحافي مارك شتين كانت له نبوءة حالكة قال فيها إن المدن الكبرى في أوروبا ذات الأقليات الإفريقية والعربية «سترى مشاهد لمبان محترقة وعمليات شغب واغتيالات في الشوارع». أما شبكات التلفزيون الأميركية فراحت تبث في نشراتها مشاهد للسيارات المحترقة وشرطة مكافحة الشغب ووصفها مراسل شبكة «فوكس نيوز» بأنها «لا تقل عن المشاهد التي نراها في بغداد بحال من الأحوال».

ولم يكن أثر «الصورة» التي رسمتها وسائل الإعلام للعنف محدودا بل استدعى أن يلتقي الناطق باسم الحكومة الفرنسية جان فرنسوا كوبيه بالصحافيين الأجانب مدليا بتصريحات جاء فيها: «الوضع صعب لكن الصورة ليست قاتمة إلى الحد الذي صورته بعض وسائل الإعلام، أقل ما يقال عن الوضع انه بعيد جدا عن حال الحرب، كما حاولت بعض وسائل الإعلام تصويره من خلال محاولة إحداث صدمة في النفوس عبر الكلمات المثيرة مثل «فرنسا تشتعل» أو «عبر الصور التي بثتها»، وبدا واضحاً أنه يقصد وسائل الإعلام الأميركية في شكل خاص. فهل هو حريق أمكن إطفاؤه أم تصدع في بناء الأمة الفرنسية؟ هذا موضوع مقالنا المقبل إن شاء الله.

كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات